تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 367

مساهمون:

ص٣٦٧
والسّلام لأن الثاني مذكور صريحا ، والأول والثالث وقعت الإشارة إليهما بقوله :
مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ
أي لو شاء اللّه عدم اقتتالهم ما اقتتلوا فمفعول المشيئة محذوف على القاعدة ، وقيل أن لا يؤمروا بالقتال وقيل أن يصيرهم إلى الإيمان وكلها متقاربة .
مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ
أي الدلالات الواضحات من اللّه بما فيه مزدجر لمن هداه اللّه تعالى ووفقه
وَلكِنِ اخْتَلَفُوا
استثناء من الجملة الشرطية أي ولكن الاقتتال ناشىء عن اختلافهم اختلافا كثيرا حتى صاروا مللا مختلفة ، والمعنى لو شاء اللّه الاتفاق لاتفقوا ، ولكن شاء الاختلاف فاختلفوا وفيه إشارة إلى قياس استثنائي .
فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ
أي ثبت على إيمانه أو تعمد الكفر بعد قيام الحجة كالنصارى بعد المسيح
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ
عدم اقتتالهم بعد هذا الاختلاف
مَا اقْتَتَلُوا
تأكيد
وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ
من توفيق من شاء ، وخذلان من شاء ، لا رادّ لحكمه ولا مبدل لقضائه فهو يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا اعتراض عليه في ملكه وفعله . وسأل رجل عليا عن القدر فقال : طريق مظلم فلا تسلكه ، فأعاد السؤال فقال : بحر عميق فلا تلجه ، فأعاد السؤال فقال : سر اللّه قد خفي عليك فلا تفتشه .

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 254 ]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 254 )
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ
ظاهر الآية الوجوب وقد حمله جماعة على صدقة الفطر لذلك ولما في آخر الآية من الوعيد الشديد ، وقيل إن هذه الآية تجمع زكاة الفرض والتطوع ، قال ابن عطية : وهذا صحيح ولكن ما تقدم من الآيات في ذكر القتال وأن اللّه يدفع المؤمنين في صدور الكافرين يترجح منه أن هذا الندب إنما هو في سبيل اللّه . قال القرطبي : وعلى هذا التأويل يكون إنفاق المال مرة واجبا ومرة ندبا بحسب تعيّن الجهاد وعدم تعينه .
مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ
أي أنفقوا ما دمتم قادرين وقدموا لأنفسكم اليوم من الأموال من قبل أن يأتي ما لا يمكنكم الإنفاق فيه وهو يوم لا يتبايع الناس فيه ولا تجارة فيكتسب الإنسان من يفتدي به نفسه من العذاب .
وَلا خُلَّةٌ
خالص المودة من تخلل الأسرار بين الصديقين أخبر سبحانه أنه لا خلة في يوم القيامة نافعة ولا مودة ولا صداقة .
وَلا شَفاعَةٌ
مؤثرة إلا لمن أذن اللّه له ، قيل وقد دلت النصوص على ثبوت