تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 366

مساهمون:

ص٣٦٦
الإخبار من اللّه بأنه فضل بعض أنبيائه على بعض ، والسنة فيها النهي لعباده أن يفضلوا بين أنبيائه ، فمن تعرض للجمع بينهما زاعما أنهما متعارضان فقد غلط غلطا بينا .
مِنْهُمْ
تفصيل للتفضيل المذكور إجمالا
مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ
أي بغير واسطة وهو موسى كلمه في الطور ، ونبينا سلام اللّه عليهما كلمه ليلة الإسراء ، وقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال في آدم نبي مكلم ، وقد ثبت ما يفيد ذلك في صحيح ابن حبان من حديث أبي ذر ، والالتفات حيث لم يقل كلمنا لتربية المهابة بهذا الاسم الشريف والرمز إلى ما بين التكليمين ورفع الدرجات من التفاوت .
وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ
هذا البعض يحتمل أن يراد به من عظمت منزلته عند اللّه سبحانه من الأنبياء ، ويحتمل أن يراد به نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم لكثرة مزاياه المقتضية لتفضيله ، ويحتمل أن يراد به إدريس لأن اللّه سبحانه أخبرنا بأنه رفعه مكانا عليا ، وقيل إنهم أولو العزم ، وقيل إبراهيم . ولا يخفاك أن اللّه سبحانه أبهم هذا البعض المرفوع فلا يجوز لنا التعرض للبيان له إلا ببرهان من اللّه سبحانه أو من نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولم يرد ما يرشد إلى ذلك ، فالتعرض لبيانه هو من تفسير القرآن الكريم بمحض الرأي ، وقد عرفت ما فيه من الوعيد الشديد مع كون ذلك ذريعة إلى التفضيل بين الأنبياء وقد نهينا عنه . وقد جزم كثير من أئمة التفسير أنه نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأطالوا في ذلك واستدلوا بما خصه اللّه به من المعجزات ومزايا الكمال وخصال الفضل . وهم بهذا الجزم بدليل لا يدل على المطلوب قد وقعوا في خطرين ، وارتكبوا نهيين ، وهما تفسير القرآن بالرأي ، والدخول في ذرائع التفضيل بين الأنبياء وإن لم يكن ذلك تفضيلا صريحا فهو ذريعة إليه بلا شك ولا شبهة ، لأن من جزم بأن هذا البعض المرفوع درجات هو النبي الفلاني ، انتقل من ذلك إلى التفضيل المنهيّ عنه . وقد أغنى اللّه نبينا المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم عن ذلك بما لا يحتاج معه إلى غيره من الفضائل والفواضل ، فإياك أن تتقرب إليه صلّى اللّه عليه وسلّم بالدخول في أبواب نهاك عن دخولها فتعصيه وتسيء وأنت تظن أنك مطيع محسن .
وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ
أي الآيات الباهرة والمعجزات الظاهرة من إحياء الأموات وإبراء المرضى من الأكمه والأبرص وغير ذلك
وَأَيَّدْناهُ
أي قويناه
بِرُوحِ الْقُدُسِ
هو جبريل وكان يسير معه حيث سار إلى أن رفعه اللّه إلى عنان السماء السابعة وقد تقدم الكلام على هذا .
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ
أي ما اختلف فأطلق الاقتتال وأراد سببه وهو الاختلاف
الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ
أي من بعد الرسل وقيل من بعد موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة