الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعا بلفظ : « لا تفضلوني على الأنبياء » « 1 » وفي لفظ آخر : « لا تفضلوا بين الأنبياء » « 2 » ، وفي لفظ : « لا تخيروا بين الأنبياء » « 3 » فقال قوم إن هذا القول منه صلّى اللّه عليه وسلّم كان قبل أن يوحى إليه بالتفضيل ، وأن القرآن ناسخ للمنع من التفضيل ، وقيل إنه قال صلّى اللّه عليه وسلّم ذلك على سبيل التواضع كما قال : لا يقل أحدكم أنا خير من يونس بن متى « 4 » ، تواضعا مع علمه أنه أفضل الأنبياء كما يدل عليه قوله : « أنا سيد ولد آدم » « 5 » .
وقيل إنما نهى عن ذلك قطعا للجدال والخصام في الأنبياء فيكون مخصوصا بمثل ذلك لا إذا كان صدور ذلك مأمونا .
وقيل إن النهي هو من جهة النبوة فقط لأنها خصلة واحدة لا تفاضل فيها ولا نهي عن التفاضل بزيادة الخصوصيات والكرامات .
وقيل إن المراد النهي عن التفضيل بمجرد الأهواء والعصبية ، وفي جميع هذه الأقوال ضعف .
وعندي أنه لا تعارض بين القرآن والسنة فإن القرآن دل على أن اللّه فضل بعض أنبيائه على بعض ، وذلك لا يستلزم أنه يجوز لنا أن نفضل بعضهم على بعض ، فإن المزايا التي هي مناط التفضيل معلومة عند اللّه تعالى لا يخفى على اللّه منها خافية ، وليست بمعلومة عند البشر ، فقد يجهل أتباع نبي من الأنبياء بعض مزاياه وخصوصياته فضلا عن مزايا غيره ، والتفضيل لا يجوز إلا بعد العلم بجميع الأسباب التي يكون بها هذا فاضلا وهذا مفضولا لا قبل العلم ببعضها أو بأكثرها أو بأقلها ، فإن ذلك تفضيل بالجهل وإقدام على أمر لا يعمله الفاعل له وهو ممنوع منه .
فلو فرضنا أنه لم يرد إلا القرآن بالإخبار لنا بأن اللّه فضل بعض أنبيائه على بعض ، لم يكن فيه دليل على أنه يجوز للبشر أن يفضلوا بين الأنبياء ، فكيف وقد وردت السنة الصحيحة بالنهي عن ذلك .
وإذا عرفت هذا علمت أنه لا تعارض بين القرآن والسنة بوجه من الوجوه فالقرآن فيه
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في الفضائل حديث 163 .
( 2 ) أخرجه البخاري في الأنبياء باب 35 ، ومسلم في الفضائل حديث 159 .
( 3 ) أخرجه البخاري في الخصومات باب 1 ، والديات باب 32 ، ومسلم في الفضائل حديث 163 ، وأبو داود في السنة باب 13 ، وأحمد في المسند 3 / 31 ، 33 .
( 4 ) أخرجه مسلم في الفضائل حديث 166 ، بلفظ : « لا ينبغي لعبدي أن يقول : أنا خير من يونس بن متى » .
( 5 ) أخرجه أبو داود في السنة باب 13 ، وابن ماجة في الزهد باب 37 ، وأحمد في المسند 1 / 5 .