جعل اللّه سبحانه قصة هؤلاء لما كانت بمكان من الشيوع والشهرة يحمل كل أحد على الإقرار بها بمنزلة المعلومة لكل فرد أو المبصرة لكل مبصر ، لأن أهل الكتاب قد أخبروا بها ودوّنوها وأشهروا أمرها ، والخطاب هنا لكل من يصلح له ، والكلام جار مجرى المثل في مقام التعجب ادعاء لظهوره وجلائه بحيث يستوي في إدراكه الشاهد والغائب ، قال السعد التفتازاني وقيل الخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم خاصة والعموم أولى .
وَهُمْ أُلُوفٌ
قيل ثلاثة آلاف أو أربعة وقيل عشرة آلاف ، وقيل بضع وثلاثون ألفا ، وقيل أربعون ألفا ، وقيل سبعون ألفا ، وأصح الأقوال قول من قال إنهم كانوا زيادة على عشرة آلاف ، لأن الألوف من جموع الكثرة وحقيقته ما فوق العشرة ، قاله القرطبي فدل على أنها ألوف كثيرة وجمع القليل آلاف ، وقيل جمع ألف أو آلف كقاعد وقعود ، والمعنى مؤتلفون والأول أولى والواو للحال .
حَذَرَ الْمَوْتِ
أي مخافة الطاعون ، وكان قد نزل بهم ، وقيل إنهم أمروا بالجهاد ففروا منه حذر الموت
فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا
أمر تكوين وتحويل وهو عبارة عن تعلق إرادته بموتهم دفعة ، أو تمثيل لإماتته سبحانه إياهم ميتة نفس واحدة كأنهم أمروا فأطاعوا فماتوا
ثُمَّ أَحْياهُمْ
يعني بعد موتهم بدعاء نبيهم حزقيل بعد ثمانية أيام أو أكثر فعاشوا دهرا عليهم أثر الموت لا يلبسون ثوبا إلا عاد كالكفن واستمرّ في أسباطهم .
إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ
التنكير للتعظيم أي لذو فضل عظيم
عَلَى النَّاسِ
جميعا فيجب عليهم شكره ، أما هؤلاء الذين خرجوا فلكونه أحياهم ليعتبروا وأما المخاطبون فلكونه قد أرشدهم إلى الاعتبار والاستبصار بقصة هؤلاء .
قال ابن عباس : كانوا أربعة آلاف خرجوا فرارا من الطاعون وقالوا نأتي أرضا ليس بها موت ، حتى إذا كانوا بموضع كذا وكذا قال لهم اللّه موتوا فماتوا فمر عليهم نبي من الأنبياء فدعا ربه أن يحييهم حتى يعبدوه فأحياهم ، وإن القرية التي خرجوا منها داوردان ، قيل هو حزقيل ، ويقال له ابن العجوز ، ويقال له ذو الكفل وهو ثالث خليفة في بني إسرائيل ، لأن موسى بعده يوشع ثم كالب ثم حزقيل .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم هذه القصة مطوّلة عن أبي مالك وفيها أنهم بضعة وثلاثون ألفا ، وقال سعيد بن عبد العزيز : إن ديارهم هي أذرعات ، وعن أبي صالح قال كانوا تسعة آلاف ، وأخرج جماعة من محدثي المفسرين هذه القصة على انحاء ولا يأتي الاستكثار من طرقها بفائدة .
وقد ورد في الصحيحين وغيرهما عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم النهي عن الفرار من الطاعون وعن دخول الأرض التي هو بها « 1 » من حديث عبد الرحمن بن عوف .
هامش
( 1 ) روي حديث الطاعون بألفاظ مختلفة . منها : « إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها ، وإذا