تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 355

مساهمون:

ص٣٥٥
القابض الباسط ، والقبض التقتير ، والبسط التوسيع ، وفيه وعيد بأن بخل من البسط يوشك أن يبدل بالقبض ، ولهذا قال :
وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
أي هو يجازيكم بما قدمتم عند الرجوع إليه ، فإن أنفقتم مما وسع به عليكم أحسن إليكم ، وإن بخلتم عاقبكم . وعن قتادة يقبض الصدقة ويبسط قال يخلف
وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
قال : من التراب وإلى التراب تعودون . وعن ابن زيد قال : علم اللّه فيمن يقاتل في سبيل اللّه من لا يجد قوة وفيمن لا يقاتل في سبيل اللّه فندب هؤلاء إلى القرض فقال :
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ
قال : يبسط عليك وأنت ثقيل عن الخروج لا تريده ، ويقبض عن هذا وهو يطيب نفسا بالخروج ويخلف له فقوّه مما بيدك يكن لك الحظ . وقيل المعنى إن اللّه يقبض بعض القلوب حتى لا تقدر على الإنفاق في الطاعة وعمل الخير ويبسط بعض القلوب حتى تقدر على فعل الطاعات والإنفاق في البر . وعن ابن عمرو بن العاص قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث شاء » ثم قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « اللهم مصرّف القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك » « 1 » أخرجه مسلم . وهذا الحديث من أحاديث الصفات التي يجب الإيمان بها وإمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تحريف ولا تعطيل ولا تأويل ، وبهذا قال سلف هذه الأمة وأئمتها .

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 246 ]

أَ لَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلاَّ تُقاتِلُوا قالُوا وَما لَنا أَلاَّ نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ( 246 )
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ
الكلام فيه كالكلام في قوله :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ
[ البقرة : 243 ] وقد قدمناه ، والملأ الأشراف من الناس كأنهم ملؤوا شرفا ، وقال الزجاج : سمّوا بذلك لأنهم مليؤون بما يحتاج إليه منهم ، وهو اسم جمع كالقوم والرهط لا واحد له من لفظه ، قال الفراء الملأ الرجال في كل القرآن ويجمع على إملاء مثل سبب وأسباب . ذكر اللّه سبحانه في التحريض على القتال قصة أخرى جرت في بني إسرائيل بعد
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في القدر حديث 17 ، وأحمد في المسند 2 / 168 .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 355 | صديق الحسيني القنوجي البخاري