تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
عليه : ولا تجعلوا اللّه معرضا لأيمانكم فتبتذلونه بكثرة الحلف به ، ومنه
وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ
[ المائدة : 89 ] وقد ذم اللّه المكثرين للحلف فقال :
وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ
[ القلم : 10 ] وقد كانت العرب تتمادح بقلة الأيمان فيكون قوله :
أَنْ تَبَرُّوا
علة للنهي أي لا تجعلوا اللّه معرضا لأيمانكم إرادة أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس لأن من يكثر الحلف باللّه يجترىء على الحنث ويفجر في يمينه . وقد قيل في تفسير الآية أقوال هي راجعة إلى هذه الوجوه التي ذكرناها
وَاللَّهُ سَمِيعٌ
أي لأقوال العباد
عَلِيمٌ
بما يصدر منهم . وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفّر عن يمينه » « 1 » . وثبت أيضا في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « واللّه إن شاء اللّه لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وكفّرت عن يميني » « 2 » . وأخرج ابن ماجة وابن جرير عن عائشة قالت : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من حلف على يمين قطيعة رحم أو معصية فبرّه أن يحنث فيها ويرجع عن يمينه » « 3 » وفي الباب أحاديث .
لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ
اللغو مصدر لغا يلغو لغوا ولغا يلغي لغيا إذا أتى بما لا يحتاج إليه في الكلام ، أو بما لا خير فيه وهو الساقط الذي لا يعتد به ، فاللغو من اليمين هو الساقط ، ومنه اللغو في الدية وهو الساقط الذي لا يعتد به من أولاد الإبل ، ومعنى الآية لا يعاقبكم اللّه بالساقط من أيمانكم
وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ
أي يعاقبكم
بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ
أي اقترفته بالقصد إليه وهي اليمين المقصودة ، ومثله قوله تعالى :
وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ
[ المائدة : 89 ] . وقد اختلف أهل العلم في تفسير اللغو ، فذهب ابن عباس وعائشة وجمهور العلماء إلى أنها قول الرجل لا واللّه وبلى اللّه في حديثه وكلامه غير معتقد لليمين ولا مريد لها . قال المروزي : هذا معنى لغو اليمين الذي اتفق عليه عامة العلماء ، ويدل له الأحاديث ، وبه قال الشافعي . وقال أبو هريرة وجماعة من السلف : هو أن يحلف الرجل على الشيء لا يظن إلا أنه أتاه فإذا هو ليس ما هو ظنه ، وإلى هذا ذهب الحنفية ، وبه قال مالك في الموطأ ولا كفارة فيه ولا إثم عليه عنده .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الأيمان باب 1 ، 83 ، والكفارات باب 10 ، ومسلم في الأيمان حديث 11 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الأيمان باب 1 ، والكفارات باب 9 ، ومسلم في الأيمان حديث 7 . ( 3 ) أخرجه ابن ماجة في الكفارات باب 8 ، وأبو داود في الكفارات باب 8 .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 316 | صديق الحسيني القنوجي البخاري