تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 318

مساهمون:

ص٣١٨
وأبو ثور قالوا وإيلاؤه كالحر ، وقال مالك والزهري وعطاء وأبو حنيفة وإسحاق : إن أجله شهران ، وقال الشعبي : إيلاء الأمة نصف إيلاء الحرة ، والتربص التأني والتأخر . وإنما وقت اللّه سبحانه بهذه المدة دفعا للضرار عن الزوجة ، وقد كان أهل الجاهلية يؤلون السنة والسنتين وأكثر من ذلك يقصدون بذلك ضرار النساء ، وقد قيل إن الأربعة الأشهر هي التي لا تطيق المرأة الصبر عن زوجها زيادة عليها « 1 » .
فَإِنْ فاؤُ
أي رجعوا فيها أو بعدها عن اليمين إلى الوطء ، ومنه
حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ
أي ترجع ، ومنه قيل للظل بعد الزوال « فيء » لأنه رجع عن جانب المشرق إلى جانب المغرب ، يقال فاء يفيء فيئة وفيئا ، وأنه سريع الفيئة أي الرجعة ، وللسلف في الفيء أقوال مختلفة فينبغي الرجوع إلى معنى الفيء وقد بيناه . قال ابن المنذر : وأجمع كل من يحفظ عنه العلم على أن الفيء الجماع لمن لا عذر له ، فإن كان له عذر مرض أو سجن فهي امرأته ، فإذا زال العذر فأبى لوطء فرّق بينهما إن كانت المدة قد انقضت ، قاله مالك . وقالت طائفة : إذا أشهد على فيئه بقلبه في حال العذر أجزأه ، وبه قال الحسن وعكرمة والنخعي والأوزاعي وأحمد بن حنبل . وقد أوجب الجمهور على المولى إذا فاء بجماع امرأته الكفارة ، وقال الحسن والنخعي : لا كفارة عليه ، وللصحابة والتابعين في هذا أقوال مختلفة متناقضة ، والمتعيّن الرجوع إلى ما في الآية الكريمة وهو ما عرّفناك واشدد عليه يديك
فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
للزوج إذا تاب من إضراره بامرأته
رَحِيمٌ
لكل التائبين .

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 227 إلى 228 ]

وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 227 ) وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 228 )
وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ
العزم العقد على الشيء يقال عزم يعزم عزما وعزيمة وعزمانا واعتزم ، فمعنى عزموا الطلاق عقدوا عليه قلوبهم بأن لم يفيئوا فليوقعوه ، والطلاق من طلقت المرأة تطلق كنصر ينصر ، طلاقا فهي طالق وطالقة أيضا : والطلاق حل عقد النكاح ، وفي ذلك دليل على أنها لا تطلق بمضي أربعة أشهر كما قال مالك ما لم يقع إنشاء تطليق بعد المدة ، وأيضا فإنه قال :
فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ
لقولهم ، وسميع يقتضي مسموعا بعد المضي ، وقال أبو حنيفة سميع لإيلائه
عَلِيمٌ
بعزمه الذي دل عليه مضي أربعة أشهر .
هامش
( 1 ) الجامع لأحكام القرآن 3 / 108 .