والمعنى : ليس لهم بعد تربص ما ذكر إلا الفيئة أو الطلاق .
واعلم أن أهل كل مذهب قد فسروا هذه الآية بما يطابق مذهبهم ، وتكلفوا بما لم يدل عليه اللفظ ولا دليل آخر ومعناها ظاهر واضح ، وهو أن اللّه جعل الأجل لمن يولي أي يحلف من امرأته أربعة أشهر ، ثم قال مخبرا لعباده بحكم هذا المؤلي بعد هذه المدة
فَإِنْ فاؤُ
[ البقرة : 226 ] أي رجعوا إلى بقاء الزوجية واستدامة النكاح
فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
[ البقرة : 192 ] أي لا يؤاخذهم بتلك اليمين بل يغفر لهم ويرحمهم
وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ
أي وقع العزم منهم عليه والقصد له
فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ
لذلك منهم
عَلِيمٌ
به فهذا معنى الآية الذي لا شك فيه ولا شبهة ، فمن حلف أن لا يطأ امرأته ولم يقيد بمدة أو قيد بزيادة على أربعة أشهر كان علينا إمهاله أربعة أشهر ، فإذا مضت فهو بالخيار إما رجع إلى نكاح امرأته وكفّر عن يمينه ، وكانت زوجته بعد مضي المدة كما كانت زوجته قبلها ، أو طلقها وكان له حكم المطلق لامرأته ابتداء .
وأما إذا وقّت بدون أربعة أشهر فإن أراد أن يبر في يمينه اعتزل امرأته التي حلف منها حتى تنقضي المدة كما فعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين آلى من نسائه شهرا فإنه اعتزلهن حتى مضي الشهر ، وإن أراد أن يطأ امرأته قبل مضي تلك المدة التي هي دون أربعة أشهر حنث في يمينه ولزمته الكفارة ، وكان ممتثلا لما صح عنه صلّى اللّه عليه وسلّم من قوله : « من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه » « 1 » .
وَالْمُطَلَّقاتُ
أي المخلّيات من حبال أزواجهنّ ، والمطلقة هي التي أوقع الزوج عليها الطلاق
يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ
تمضي من حين الطلاق تدخل تحت عمومه المطلقة قبل الدخول ، ثم خصصت بقوله تعالى :
فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها
[ الأحزاب : 49 ] فوجب بناء العام على الخاص ، وخرجت من هذا العموم المطلقة قبل الدخول ، وكذلك خرجت الحامل بقوله تعالى :
وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ
[ الطلاق : 4 ] وكذلك خرجت الآية بقوله تعالى :
فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ
[ الطلاق : 4 ] ؛ والتربص الانتظار قيل هو خبر في معنى الأمر أي لتتربص قصد بإخراجه مخرج الخبر تأكيد وقوعه وزاده تأكيدا وقوعه خبرا للمبتدأ .
قال ابن العربي : وهذا باطل وإنما هو خبر عن حكم الشرع ، فإن وجدت مطلقة لا تتربص فليس ذلك من الشرع ، ولا يلزم من ذلك وقوع خبر اللّه سبحانه على خلاف مخبره .
والقروء جمع قرء ، قال الأصمعي : الواحد القرء بضم القاف ، وقال أبو زيد
هامش
( 1 ) تقدم الحديث مع تخريجه قبل قليل .