تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ
ابتداء كلام يتضمن الإخبار عن اللّه عز وجل للمؤمنين بأن هؤلاء الكفار والمشركين لا يزالون مستمرين على قتالكم وعداوتكم
حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ
أي الإسلام إلى الكفر
إِنِ اسْتَطاعُوا
ذلك وتهيأ لهم منكم ، والتقييد بهذا الشرط مشعر باستبعاد تمكنهم من ذلك وقدرتهم عليه . ثم حذر اللّه سبحانه المؤمنين من الاغترار بالكفار والدخول فيما يريدونه من ردهم عن دينهم الذي هو الغاية لما يريدونه من المقاتلة للمؤمنين فقال :
وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ
الردة الرجوع عن الإسلام إلى الكفر ، والتقييد بالكفر يفيد أن عمل من ارتد إنما يبطل إذا مات على الكفر ، وأما إذا أسلم بعد الردة لم يثبت عليه شيء من أحكام الردة ، وفيه دليل للشافعي أن الردة لا تحبط الأعمال حتى يموت على ردته . وعند أبي حنيفة أن الردة تحبط العمل وإن أسلم ، وحبط معناه بطل وفسد ، ومنه الحبط وهو فساد يلحق المواشي في بطونها من كثرة أكلها للكلأ فتنتفخ أجوافها ، وربما تموت من ذلك ، وفي هذه الآية تهديد للمسلمين ليثبتوا على دين الإسلام .
فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ
أي لا يبقى له حكم المسلمين في الدنيا فلا يأخذ شيئا مما يستحقه المسلمون من الميراث وغيره ، ولا يظفر بحظ من حظوظ الإسلام ، ولا ينال شيئا من ثواب الآخرة الذي يوجبه الإسلام ويستحقه أهله . وقد اختلف أهل العلم في الردة هل تحبط العلم بمجردها أم لا تحبط إلا بالموت على الكفر ، والواجب حمل ما أطلقته الآيات في غير هذا الموضع على ما في هذه الآية من التقييد .
وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ
يعني الذين ماتوا على الردة والكفر
هُمْ فِيها خالِدُونَ
أي لا يخرجون منها أبدا وقد تقدم الكلام في معنى الخلود .

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 218 ]

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 218 )
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
الهجرة معناها الانتقال من موضع إلى موضع وترك الأول لإيثار مكاني ، والهجر ضد الوصل ، والتهاجر التقاطع والمراد بها هنا الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام ، والمجاهدة استخراج الجهد ، والجهاد والتجاهد بذل الوسع .
أُولئِكَ يَرْجُونَ
أي يطمعون ، وإنما قال يرجون بعد تلك الأوصاف المادحة التي وصفهم بها لأنه لا يعلم أحد في هذه الدنيا أنه صائر إلى الجنة ولو بلغ في طاعة