والمراد من الآية أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم دون غيرهم ، وبه قال الثوري والأوزاعي والأول أولى ، والجمهور على أنه فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين ، قال الزهري : كتب اللّه القتال على الناس جاهدوا أو لم يجاهدوا فمن غزا فبها ونعمت ، ومن قعد فهو عدة إن استعين به أعان وإذا استنفر نفر ، وإن استغنى عنه قعد ، وقيل فرض عين إن دخلوا بلادنا وفرض كفاية إن كانوا ببلادهم .
وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً
قيل عسى هنا بمعنى ( قد ) روي ذلك عن الأصم ، وقال أبو عبيدة : عسى من اللّه إيجاب ، والمعنى عسى أن تكرهوا الجهاد طبعا لما فيه من المشقة ، وأما شرعا فهو محبوب وواجب ولا يلزم منه ما قاله السعد التفتازاني كراهة حكم اللّه ومحبة خلافه ، وهو ينافي كمال التصديق ، لأن معناه كراهة النفس ذلك الفعل ومشقته مع كمال الرضا بالحكم والإذعان له .
وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ
فربما تغلبون وتظفرون وتغنمون وتؤجرون ، ومن مات شهيدا والواو للحال أو صفة لشيء ، وعليه جرى أبو البقاء هنا والزمخشري في قوله :
وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ
[ الحجر : 4 ] وهو رأي ابن حيزان ، وسائر النحويين يخالفونه .
وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً
أي الدعة وترك القتال
وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ
فربما يتقوى عليكم العدو فيغلبكم ويقصدكم إلى عقر دياركم فيحل بكم أشد مما تخافونه من الجهاد الذي كرهتم مع ما يفوتكم في ذلك من الفوائد العاجلة والآجلة .
وَاللَّهُ يَعْلَمُ
ما فيه صلاحكم وفلاحكم وما هو خير لكم وما في الجهاد من الغنيمة والأجر والخير فلذلك يأمركم به
وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
ذلك ولذلك تكرهونه ، قيل إنها محكمة ناسخة للعفو عن المشركين ، وقيل منسوخة لأن فيها وجوب الجهاد على الكافة والناسخ قوله تعالى :
وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً
[ التوبة : 122 ] وقيل إنها ناسخة من وجه ومنسوخة من وجه ، فالناسخ منها إيجاب الجهاد مع المشركين بعد المنع منه ، والمنسوخ إيجاب الجهاد على الكافة .
وقد ورد في فضل الجهاد ووجوبه أحاديث كثيرة لا يتسع المقام لبسطها .
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 217 ]
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 217 )
هامش
في الحج حديث 445 ، والإمارة حديث 85 ، وأبو داود في الجهاد باب 2 ، والترمذي في السير باب 32 ، والنسائي في البيعة باب 15 ، وابن ماجة في الجهاد باب 9 ، والدارمي في السير باب 69 ، وأحمد في المسند 1 / 226 ، 266 ، 316 ، 355 ، 3 / 401 ، 6 / 466 .