مطولا في هذا في سورة المائدة عند قوله :
إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ
[ المائدة : 90 ] إن شاء اللّه تعالى .
قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ
يعني في الخمر والميسر ، فإثم الخمر أي إثم تعاطيها ينشأ من فساد عقل مستعملها فيصدر عنه ما يصدر عن فاسد العقل من المخاصمة والمشاتمة وقول الفحش والزور ، وتعطيل الصلوات وسائر ما يجب عليه ، وأما إثم الميسر أي إثم تعاطيه فما ينشأ عن ذلك من الفقر وذهاب المال في غير طائل والعداوة وإيحاش الصدور .
وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ
أما منافع الخمر فربح للتجارة فيها ، وقيل ما يصدر عنها من الطرب واللذة والنشاط والفرح وقوة القلب وثبات الجنان وإصلاح المعدة وقوة الباه وتصفية اللون ، وحمل البخيل على الكرم ، وزوال الهم وهضم الطعام ، وتشجيع الجبان ، وقد أشار شعراء العرب إلى شيء من ذلك في أشعارهم .
ومنافع الميسر مصير الشيء إلى الإنسان بغير تعب ولا كد ، وما يحصل من السرور والأريحية عند أن يصير له منها سهم صالح ، وسهام الميسر أحد عشر ، منها سبعة لها فروض على عدد ما فيها من الخطوط وهي الفذ والتوأم والرقيب والحلس والنافر والمسبل والمعلى والسفح والوغد والضعف والجزور ، ولا نطول بذكر علاماتها وأحوالها .
وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما
أخبر سبحانه بأن الخمر والميسر وإن كان فيهما نفع فالإثم الذي يلحق متعاطيهما أكثر من هذا النفع ، لأنه لا خير يساوي فساد العقل الحاصل بالخمر ، فإنه ينشأ عنه من الشرور ما لا يأتي عليه الحصر ، وكذلك لا خير في الميسر يساوي ما فيها من المخاطرة بالمال والتعرض للفقر واستجلاب العداوات المفضية إلى سفك الدماء وهتك الحرم .
وقد وردت في تحريم الخمر ووعيد شاربها أحاديث كثيرة .
وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ
والعفو ما سهل وتيسر ، ولم يشق على القلب ، والمعنى أنفقوا ما فضل عن حوائجكم ولم تجهدوا فيه أنفسكم ، وقيل هو ما فضل عن نفقة العيال ، وقال جمهور العلماء هو نفقات التطوع ، وقيل إن هذه الآية منسوخة بآية الزكاة المفروضة ، وقيل هي محكمة وفي المال حق سوى الزكاة .
وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول » « 1 » وثبت نحوه في الصحيح مرفوعا من
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في الزكاة حديث 95 ، 97 ، 106 ، وأبو داود في الزكاة باب 39 ، 40 ، وأحمد في المسند 2 / 94 .