سميت خمرا لأنها تركت حتى أدركت أي بلغت إدراكه ، وقيل لأنها تخالط العقل من المخامرة وهو المخالطة .
وهذه المعاني الثلاثة متقاربة موجودة في الخمر لأنها تركت حتى أدركت ثم خالطت العقل فخمرته أي سترته ، والخمر ماء العنب الذي غلا واشتد وقذف بالزبد ، وما خامر العقل من غيره فهو في حكمه كما ذهب إليه الجمهور ، وقال أبو حنيفة والثوري وابن أبي ليلى وابن شبرمة وجماعة من فقهاء الكوفة : ما أسكر كثيره من غير خمر العنب فهو حلال أي ما دون المسكر منه ، وذهب أبو حنيفة إلى حل ما ذهب ثلثاه بالطبخ ، والخلاف في ذلك مشهور ، وقد أطلت الكلام على الخمر في شرحي لبلوغ المرام ، وأطال الشوكاني الكلام عليه في شرحه للمنتقى فليرجع إليهما .
وجملة القول في تحريم الخمر أن اللّه أنزل فيه أربع آيات :
نزل بمكة
وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً
[ النحل : 67 ] فكان المسلمون يشربونها في أول الإسلام وهي لهم حلال ، ثم نزل بالمدينة في جواب عمر ومعاذ هذه الآية فتركها قوم لقوله :
فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ
وشربها قوم لقوله
وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ
ثم نزل
لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى
[ النساء : 43 ] فترك قوم شربها في أوقات الصلاة ، ثم أنزل اللّه الآية التي في المائدة ، وذلك بعد غزوة الأحزاب بأيام .
والخمر تذكر وتؤنث وقال الأصمعي الخمر أنثى وأنكر التذكير .
وَالْمَيْسِرِ
مصدر ميمي مأخوذ من اليسر وهو وجوب الشيء لصاحبه يقال يسر لي كذا إذا وجب ، والياسر اللاعب بالقداح ، وقال الأزهري : الميسر الجزور الذي كانوا يتقامرون عليه ، سمي ميسرا لأنه يجزأ أجزاء فكأنه موضع التجزئة وكل شيء جزأته فقد يسرته ، والياسر الجازر ، وقال : وهذا الأصل في الياسر ، ثم يقال للضاربين بالقداح والمتقامرين على الجزور ياسرون لأنهم جازرون ، إذ كانوا سببا لذلك .
والمراد بالميسر في الآية قمار العرب بالأزلام ، قال جماعة من السلف : من الصحابة والتابعين ومن بعدهم كل شيء فيه قمار من نرد أو شطرنج أو غيرهما فهو الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب إلا ما أبيح من الرهان في الخيل والقرعة في إفراز الحقوق ، وقال مالك : الميسر ميسران ميسر اللهو وميسر القمار ، فمن ميسر اللهو النرد والشطرنج والملاهي كلها ، وميسر القمار ما يتخاطر الناس عليه وكل ما قومر به فهو ميسر كالطاب والمنقلة والطاولة وغيرها ، وسيأتي البحث