فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
أي أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم
لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ
أي إلى الحق ، و « من » للبيان أو للتبعيض ، وذلك لما بين لهم في القرآن من اختلاف من كان قبلهم ، وقيل معناه فهدى اللّه أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم للتصديق بجميع الكتب بخلاف من قبلهم ، فإن بعضهم كذب كتاب بعض ، وقيل إن اللّه هداهم إلى الحق من القبلة ، وقيل هداهم ليوم الجمعة ، وقيل هداهم لاعتقاد الحق في عيسى بعد أن كذبته اليهود ، وجعلته النصارى ربا ، وقيل المراد بالحق الإسلام .
وقال الفراء : إن في الآية قلبا وتقديره فهدى الذين آمنوا بالحق لما اختلفوا فيه ، واختاره ابن جرير وضعفه ابن عطية
بِإِذْنِهِ
قال الزجاج : معناه بعلمه ، وقال النحاس : هذا غلط ، والمعنى بأمره وإرادته
وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ
من عباده
إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
أي طريق سوي .
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 214 إلى 215 ]
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ( 214 ) يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ( 215 )
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ
أم هنا منقطعة بمعنى بل ، وحكى بعض اللغويين أنها قد تجيء بمثابة همزة الاستفهام يبتدأ بها الكلام ، فعلى هذا معنى الاستفهام هنا التقرير والإنكار أي أحسبتم دخولكم الجنة واقعا ، والغرض من هذا التوبيخ تشجيعهم على الصبر وحثهم عليه ، وحسب هنا من أخوات ظن ، وقد تستعمل في اليقين .
وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ
الواو للحال ، ولما بمعنى لم أي والحال أنكم لم يأتكم مثلهم بعد ، ولم تبتلوا بما ابتلوا به من الأحوال الهائلة التي هي مثل في الفظاعة والشدة وهو متوقع منتظر ، ولم تمتحنوا بمثل ما امتحن به من كان قبلكم فتصبروا كما صبروا .
ذكر اللّه سبحانه هذه التسلية بعد أن ذكر اختلاف الأمم على أنبيائهم تثبيتا للمؤمنين وتقوية لقلوبهم ، ومثل هذه الآية قوله :
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ
[ آل عمران : 142 ] وقوله :
ألم أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ
[ العنكبوت : 1 ، 2 ] .
مَسَّتْهُمُ
استئناف بيان لقوله :
مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا
الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ
قد تقدم تفسيرهما
وَزُلْزِلُوا
الزلزلة شدة التحريك تكون في الأشخاص وفي الأقوال ، يقال زلزل اللّه الأرض زلزلة وزلزالا بالكسر فتزلزلت أي تحركت واضطربت ، فمعنى زلزلوا