تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦
ولا ينافي ذلك كون السياق في بني إسرائيل ، أو كونهم السبب في النزول ، لما تقرر من أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب
فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ
فيه من الترهيب والتخويف ما لا يقادر قدره .
زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا
المزين هو الشيطان بأن وسوس لهم ومناهم الأماني الكاذبة ، وذلك حقيقة كما قال السعد التفتازاني وجيء به ماضيا دلالة على أن ذلك وقع وفرغ منه ، أو المزين الأنفس المجبولة على حب العاجلة ، وزين مبني للمجهول . وقرىء بفتح الزاء والمزين هو اللّه بأن خلق الأشياء العجيبة ومكنهم منها إذ ما من شيء إلا وهو خالقه وعلى هذا المسند والإسناد مجاز لأن خذلانه إياهم صار سببا لاستحسانهم الحياة الدنيا وتزيينها في أعينهم . والمراد بالذين كفروا رؤساء قريش أو كل كافر ، وإنما خص الكفار بالذكر مع كون الدنيا مزينة للمسلم والكافر كما وصف سبحانه بأنه جعل ما على الأرض زينة لها ليبلو الخلق أيهم أحسن عملا ، لأن الكافر افتتن بهذا التزيين وأعرض عن الآخرة ، والمسلم لم يفتتن به بل أقبل على الآخرة والمعنى حسنت في أعينهم وأشربت محبتها في قلوبهم حتى تهالكوا عليها وتهافتوا فيها معرضين من غيرها .
وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا
أي والحال أن أولئك الكفار يسخرون من المؤمنين لكونهم فقراء لاحظ لهم من الدنيا كحظ رؤساء الكفار وأساطين الضلال ، وذلك لأن عرض الدنيا عندهم هو الأمر الذي يكون من ناله سعيدا رابحا ومن حرمه شقيا خاسرا ، وقد كان غالب المؤمنين إذ ذاك فقراء لاشتغالهم بالعبادة وأمر الآخرة وعدم التفاتهم إلى الدنيا وزينتها . وحكى الأخفش أنه يقال سخرت منه وسخرت به ، وضحكت منه وضحكت به ، والاسم السخرية والسخرى ، وجئ به مضارعا دلالة على التجدد والحدوث . ولما وقع من الكفار ما وقع من السخرية بالمؤمنين رد اللّه عليهم بقوله
وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ
والمراد بالفوقية هنا العلو في الدرجة لأنهم في الجنة ، والكفار في النار ، ويحتمل أن يراد بالفوق المكان لأن الجنة في السماء والنار في أسفل سافلين . أو أن المؤمنين هم الغالبون في الدنيا كما وقع ذلك من ظهور الإسلام وسقوط الكفر وقتل أهله وأسرهم وتشريدهم ، وضرب الجزية عليهم ، ولا مانع من حمل الآية على جميع ذلك لولا التقييد بكونه في يوم القيامة . وفي دلالة على أن فوقيتهم من أجل التقوى . وفيه تحريضهم على الاتصاف به إذا سمعوا ذلك ، أو للإيذان بأن إعراضهم عن الدنيا للاتقاء عنها لكونها شاغلة عن جانب القدس .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 296 | صديق الحسيني القنوجي البخاري