إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ
بما وعدهم من الحساب والعذاب ، استثناء مفرغ من مقدر أي ليس لهم شيء ينتظرونه إلا إتيان العذاب ، وهذا مبالغة في توبيخهم
فِي ظُلَلٍ
جمع ظلة وهي ما يظلك ، وقال الأخفش : وقد يحتمل أن يكون معنى الإتيان راجعا إلى الجزاء فسمي الجزاء إتيانا كما سمي التخويف والتعذيب في قصة ثمود إتيانا فقال :
فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ
[ النحل : 26 ] وقال في قصة النضير
فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا
[ الحشر : 2 ] .
وإنما احتمل الإتيان هذا لأن أصله عند أهل اللغة القصد إلى الشيء ، فمعنى الآية هل ينظرون إلا أن يظهر اللّه فعلا من الأفعال مع خلق من خلقه يقصد إلى محاربتهم وقيل إن المعنى يأتيهم أمر اللّه وحكمه ، وقيل إن قوله :
فِي ظُلَلٍ
بمعنى بظلل ، وقيل المعنى يأتيهم ببأسه في ظلل .
مِنَ الْغَمامِ
يعني السحاب الرقيق الأبيض ، سمي بذلك لأنه يغم أي يستر ، ووجه إتيان العذاب في الغمام على تقدير أن ذلك هو المراد ما في مجيء الخوف من محل الأمن من الفظاعة وعظم الموقع ، لأن الغمام مظنة الرحمة لا مظنة العذاب ، وهذا أبلغ في تبكيتهم وتخويفهم .
أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « يجمع اللّه الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم قياما شاخصة أبصارهم إلى السماء ينظرون فصل القضاء ، وينزل اللّه في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي » « 1 » .
وعن ابن عمر قال : يهبط حين يهبط وبينه وبين خلقه سبعون ألف حجاب منها النور والظلمة والماء فيصوت الماء في تلك الظلمة صوتا تنخلع له القلوب .
وعن ابن عباس : يأتي اللّه يوم القيامة في ظلل من السحاب قد قطعت طاقات .
والتقدير في ظلل كائنة من الغمام ، « ومن » على هذا للتبعيض أو من ناحية الغمام ، وهي على هذا لابتداء الغاية .
وَالْمَلائِكَةُ
أي وتأتيهم الملائكة فإنهم وسائط في إتيان أمره تعالى بل هم الآتون ببأسه على الحقيقة ، وقرىء بالجر عطفا على ظلل أو على الغمام فتوصف الملائكة بكونها ظللا على التشبيه ، وقال عكرمة : والملائكة حوله ، وقيل حول الغمام ، وقيل حول الرب تعالى .
وهذه من آيات الصفات وللعلماء فيها وفي أحاديث الصفات مذهبان :
أحدهما : الإيمان والتسليم لما جاء في آيات الصفات وأحاديثها ووجوب
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود في الصلاة باب 163 .