تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 295

مساهمون:

ص٢٩٥
الاعتقاد بظاهرها والإيمان بها كما جاءت ، وإحالة علمها إلى اللّه تعالى ، مع تنزيهه سبحانه عن التشبيه والتمثيل والتحريف والتبديل والتعطيل ، وهو قول سلف هذه الأمة وأئمتها ، قال الكلبي : هذا من الذي لا يفسر ، وكان ابن عيينة والزهري والأوزاعي ومالك وابن المبارك والثوري والليث بن سعد وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه يقولون في هذه الآية وأمثالها اقرؤوها كما جاءت بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل ولا تعطيل ، هذا مذهب أعلام أهل السنة ومعتقد سلف الأمة ، وأنشد بعضهم في المعنى .
عقيدتنا أن ليس مثل صفاته * ولا ذاته شيء ، عقيدة صائب
نسلم آيات الصفات بأسرها * وإجراءها للظاهر المتقارب
ونؤيس عنها كنه فهم عقولنا * وتأويلنا فعل اللبيب المغالب
ونركب للتسليم سفنا فإنها * لتسليم دين المرء خير المراكب
والثاني : التأويل لها بما يناسب تنزيهه سبحانه وتعالى عندهم وهو قول جمهور علماء المتكلمين وأصحاب النظر كما قالوا في هذه الآية مجيء اللّه هو مجيء الآيات أو مجيء أمر اللّه أو عذاب اللّه ، فأنكروا إمرار الصفات على ظاهرها وإجرائها على ما أراد اللّه ، وهذا خلاف ما عليه سلف الأمة وأئمتها ، وقد أوضحنا ذلك في كتابينا الانتقاد الرجيح وبغية الرائد بما لا يحتاج الناظر فيهما إلى غيرهما .
وَقُضِيَ الْأَمْرُ
عطف على يأتيهم داخل في حيز الانتظار ، وإنما عدل إلى صيغة الماضي دلالة على تحققه فكأنه قد كان ، أو جملة مستأنفة جيء بها للدلالة على أن مضمونها واقع لا محالة أي وفرغ من الأمر الذي هو إهلاكهم ، قال عكرمة : قضي الأمر أي قامت الساعة .
وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ
أي أمور العباد في الآخرة لا إلى غيره ، والمراد من هذا إعلام الخلق أنه المجزي على الأعمال بالثواب والعقاب .
سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ
المأمور بالسؤال هو النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ويجوز أن يكون هو كل فرد من السائلين ، وهو سؤال تقريع وتوبيخ ، والمسؤول عنهم يهود المدينة ، وكم إما استفهامية للتقرير أو خبرية للتكثير ، والآية هي البراهين التي جاء بها أنبياؤهم في أمر محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقيل المراد بذلك الآيات التي جاء بها موسى وهي تسع ، قال أبو العالية : آتاهم اللّه آيات بينات عصا موسى ويده وأقطعهم البحر ، وأغرق عدوهم وهم ينظرون وظللا من الغمام ، وأنزل عليهم المن والسلوى .
وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ
المراد بالنعمة هنا ما جاءهم من الآيات ، وقال ابن جرير الطبري : النعمة هنا الإسلام ، والظاهر دخول كل نعمة أنعم اللّه بها على كل عبد من عباده كائنا من كان ، فوقع منه التبديل لها ، وعدم القيام بشكرها .