تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
جمع المهد وهو الموضع المهيأ للنوم ومنه مهد الصبي ، وقيل اسم مفر سمى به الفراش الموطأ للنوم وسميت جهنم مهادا لأنها مستقر الكفار ، وقيل المعنى أنها بدل لهم من المهاد كقوله :
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ
[ آل عمران : 21 ] وقال مجاهد : بئسما مهدوا لأنفسهم ، وقال ابن عباس : بئس المنزل وهذا من باب التهكم والاستهزاء .
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ
يشري بمعنى يبيع أي يبيع نفسه في مرضاة اللّه كالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، قال قتادة : هم المهاجرون والأنصار ، ومثله قوله تعالى :
وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ
[ يوسف : 20 ] وأصله الاستبدال ومنه قوله :
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ
[ التوبة : 111 ] والمرضاة الرضا ، قال ابن عباس : نزلت في سرية الرجيع وكانت بعد أحد ، وفي البخاري تمام قصته عن حديث أبي هريرة فإن شئت فارجع إليه .
وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ
وجه ذكر الرأفة هنا أنه أوجب عليهم ما أوجبه ليجازيهم ويثيبهم عليه ، فكان ذلك رأفة لهم ولطفا بهم ، ومن رأفته أن جعل النعيم الدائم في الجنة جزاء على العمل القليل المنقطع ، ومن رأفته أنه يقبل توبة عبده وأنه لا يكلف نفسا إلا وسعها ، وأن المصر على الكفر ولو مائة سنة إذا تاب ولو لحظة أسقط عنه عقاب تلك السنين وأعطاه الثواب الدائم . ومن رأفته أن نفس العباد وأموالهم له ثم إنه يشتري ملكه بملكه فضلا منه ورحمة وإحسانا . وهذه أربعة أقسام اشتملت عليها تلك الآيات الكريمات أولها راغب في الدنيا فقط ظاهرا وباطنا ، والثاني راغب فيها وفي الآخرة كذلك ، والثالث راغب في الآخرة وفي الدنيا باطنا ، والرابع راغب في الآخرة ظاهرا وباطنا معرض عن الدنيا كذلك .

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 208 إلى 209 ]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 208 ) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 209 )
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً
لما ذكر سبحانه أن الناس ينقسمون إلى ثلاث طوائف مؤمنين وكافرين ومنافقين ، أمرهم بعد ذلك ما يكون على ملة واحدة ، وإنما أطلق على الثلاث الطوائف لفظ الإيمان لأن أهل الكتاب مؤمنون بنبيهم وكتابهم ، والمنافق مؤمن بلسانه وإن كان غير مؤمن بقلبه ، والسلم بفتح السين وكسرها ، قال الكسائي : معناهما واحد ، وكذا عند البصريين وهما جميعا يقعان للإسلام والمسالمة .