تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩
ثاني النحر ويوم ثالثه من أيام التشريق ، قال ابن عباس والحسن وعكرمة ومجاهد وقتادة والنخعي من رمى في اليوم الثاني من الأيام المعدودات فلا حرج ومن تأخر إلى الثالث فلا حرج . فمعنى الآية كل ذلك مباح ، وعبر عنه بهذا التقسيم اهتماما وتأكيدا لأن من العرب من كان يذم التعجل ، ومنهم من كان يذم التأخر ، فنزلت الآية رافعة للجناح في كل ذلك . وقال علي وابن مسعود : معنى الآية من تعجل فقد غفر له ، ومن تأخر فقد غفر له . والآية قد دلت على أن التعجل والتأخر مباحان ولا بد من ارتكاب مجاز في قوله :
يَوْمَيْنِ
من حيث إنه جعل الواقع في أحدهما واقعا فيهما كقوله
نَسِيا حُوتَهُما
[ الكهف : 61 ] و
يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ
و
جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما
[ الأعراف : 190 ] والناسي أحدهما وكذلك المخرج منه ، والجاعل له أحدهما أو من حيث حذف المضاف أي في ثاني يومين والأول أولى .
لِمَنِ اتَّقى
أي أن ذلك التخيير ورفع الإثم ثابت لمن اتقى ، لأن صاحب التقوى يحترز عن كل ما يريبه ، فكان أحق بتخصيصه بهذا الحكم ، قال الأخفش : التقدير ذلك لمن اتقى بعد انصرافه من الحج عن جميع المعاصي ، وقيل لمن اتقى قتل الصيد ، وقيل معناه السلامة لمن اتقى ، وقيل أي الذكر لمن اتقى في حجه لأنه الحاج في الحقيقة .
وَاتَّقُوا اللَّهَ
أي في المستقبل
وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
فيجازيكم بأعمالكم ، وفيه حث على التقوى ، وهو عبارة عن فعل الواجبات وترك المحظورات .

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 204 ]

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ ( 204 )
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
أي يروقك وتستحسنه ويعظم في قلبك حلاوة كلامه مما يتعلق بأمر الدنيا ، والإعجاب استحسان الشيء والميل إليه والتعظيم له . وقال الراغب : العجب حيرة تعرض للإنسان بسبب الشيء ، وليس هو شيئا له في ذاته حالة حقيقية بل هو بحسب الإضافات إلى من يعرف السبب ومن لا يعرفه ، وحقيقة أعجبني كذا ظهر لي ظهورا لم أعرف سببه انتهى . لما ذكر سبحانه طائفتي المسلمين بقوله :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ
[ البقرة : 8 ] عقب ذلك بذكر طائفة المنافقين وهم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر ، وقيل إنها