فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ
لما أرشد سبحانه عباده إلى ذكره وكان الدعاء نوعا من أنواع الذكر جعل من يدعوه منقسما إلى قسمين : أحدهما يطلب حظ الدنيا ولا يلتفت إلى حظ الآخرة ، والقسم الآخر يطلب الأمرين جميعا ، والخلاق النصيب أي ما لهذا الداعي في الآخرة من نصيب لأن همه مقصور على الدنيا لا يريد غيرها ، ولا يطلب سواها .
وفي هذا الخبر معنى النهي عن الاقتصار على طلب الدنيا والذم لمن جعلها غاية رغبته ومعظم مقصوده .
عن أبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط ، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش » « 1 » أخرجه البخاري ، وهذا دعاء عليه بالهلاك .
وفي الباب أحاديث كثيرة وإنما كان سؤال المشركين للدنيا ولم يطلبوا التوبة والمغفرة ونعيم الآخرة لأنهم كانوا ينكرون البعث .
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ
قد اختلف في تفسير الحسنتين المذكورتين في الآية فقيل هما ما يطلبه الصالحون في الدنيا من العافية وما لا بد منه من الرزق ، وما يطلبونه في الآخرة من نعيم الجنة والرضا ، وقيل المراد بحسنة الدنيا الزوجة الحسناء ، وبحسنة الآخرة الحور العين ، وقيل حسنة الدنيا العلم والعبادة وحسنة الآخرة الجنة وقيل الأولى العمل الصالح والثانية المغفرة والثواب ، وقيل من آتاه اللّه الإسلام والقرآن وأهلا ومالا فقد أوتي فيهما حسنة ، وقيل غير ذلك مما لا فائدة في ذكره .
قال القرطبي : والذي عليه أكثر أهل العلم أن المراد بالحسنتين نعيم الدنيا والآخرة قال وهذا هو الصحيح فإن اللفظ يقتضي هذا كله ، فإن « حسنة » نكرة في سياق الدعاء فهو محتمل لكل حسنة من الحسنات على البدل ، وحسنة الآخرة الجنة بإجماع انتهى .
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 202 إلى 203 ]
أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 202 ) وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 203 )
أُولئِكَ
إشارة إلى الفريق الثاني فقط
لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا
أي من جنس ما
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الجهاد باب 70 ، والرقاق باب 10 ، وابن ماجة في الزهد باب 8 .