تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ
يقال فاض الإناء إذا امتلأ ماء حتى ينصب من نواحيه ، ورجل فياض أي مندفعة يده بالعطاء ، ومعناه أفضتم أنفسكم ، فترك ذكر المفعول كما ترك في قولهم دفعوا من موضع كذا ، وعرفات اسم لتلك البقعة كأذرعات أي موضع الوقوف ، وعرفة اسم اليوم وسميت عرفات لأن الناس يتعارفون فيها ، وقيل لأن آدم التقى هو وحواء فيها فتعارفا ، وقيل غير ذلك . قال ابن عطية : والظاهر أنه اسم مرتجل كسائر أسماء البقاع إلا على القول بأن أصله جمع ، واستدل بالآية على وجوب الوقوف بعرفة لأن الإفاضة لا تكون إلا بعده ولا يتم الحج إلا به ، ووقت الإفاضة من عرفات بعد غروب الشمس ، فإذا غربت دفع منها وأخر صلاة المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء بمزدلفة .
فَاذْكُرُوا اللَّهَ
المراد بذكر اللّه هنا دعاؤه ومنه التلبية والتكبير أي اذكروه لذاته من غير ملاحظة نعمه ، لأنه تعالى يستحق الحمد من حيث ذاته ومن حيث إنعامه على خلقه ، فحصلت المغايرة بين هذا وقوله :
وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ
وقيل المراد بالذكر صلاة المغرب والعشاء بالمزدلفة جمعا ، وقد أجمع أهل العلم على أن السنة أن يجمع الحاج بينهما فيها .
عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ
سمي مشعرا من الشعار وهو العلامة ، والدعاء عنده من شعائر الحج ووصف بالحرام لحرمته من التحريم وهو المنع ، فهو ممنوع من أن يفعل فيه ما لم يؤذن فيه ، وفي الحديث أنه صلّى اللّه عليه وسلّم وقف به يذكر اللّه ويدعو حتى أسفر جدا « 1 » ، رواه مسلم أي دخل في السفر بفتحتين وهو بياض النهار ، قاله الشوبري ، والمشعر هو جبل قزح الذي يقف عليه الإمام ، وقيل هو ما بين جبلي المزدلفة من مأزمي عرفة إلى وادي محسر .
وَاذْكُرُوهُ
ذكرا حسنا
كَما هَداكُمْ
هداية حسنة ، وكرر الأمر بالذكر تأكيدا ، وقيل الأول أمر بالذكر عند المشعر الحرام ، والثاني أمر بالذكر على حكم الإخلاص ، وقيل المراد بالثاني تعديد النعمة عليهم والكاف للتعليل .
وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ
الضمير في قبله عائد إلى الهدى ، وقيل إلى القرآن ، وقيل إلى الرسول ، والضالين الجاهلين بالإيمان والطاعة قاله الخطيب ، وقيل جاهلين لا تعرفون كيف تذكرونه وتعبدونه .

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 199 ]

ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 199 )
ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ
فيه الخطاب للحمس من قريش لأنهم كانوا
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في الحج حديث 147 ، وابن ماجة في المناسك باب 84 ، والدارمي في المناسك باب 34 .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 284 | صديق الحسيني القنوجي البخاري