تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
والتقوى ، ومكان الجدال الوفاق والأخلاق الجميلة ، وفيه أن كل ما يفعلونه من ذلك فهو معلوم عند اللّه لا يفوت منه شيء .
وَتَزَوَّدُوا
ما يبلغكم لسفركم
فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى
أي ما يتقى به سؤال الناس وغيره ، فيه الأمر باتخاذ الزاد لأن بعض العرب كانوا يقولون كيف نحج بيت ربنا ولا يطعمنا فكانوا يحجون بلا زاد ، ويقولون نحن متوكلون على اللّه سبحانه ثم يقدمون فيسألون الناس ويكونون كلّا عليهم ، فأنزل اللّه هذه الآية ، أخرجه عبد بن حميد والبخاري وأبو داود والنسائي وغيرهم عن ابن عباس ، وقد روي عن جماعة من التابعين مثل ذلك . قال ابن الجوزي : قد لبّس إبليس على قوم يدعون التوكل فخرجوا بلا زاد ، وظنوا أن هذا هو التوكل ، وهم على غاية من الخطأ . وقيل المعنى تزودوا لمعادكم من الأعمال الصالحة فإن خير الزاد التقوى ، والأول أرجح كما دل عليه سبب نزول الآية ، وفيه إخبار بأن خير الزاد اتقاء المنهيات ، فكأنه قال اتقوا اللّه في إتيان ما أمركم به من الخروج بالزاد فإن خيره التقوى ، وقيل المعنى فإن خير الزاد ما اتقى به المسافر من التهلكة والحاجة إلى السؤال والتكفف .
وَاتَّقُونِ
أي وخافوا عقابي . وقيل اشتغلوا بتقواي ، وفيه تنبيه على كمال عظمة اللّه جل جلاله
يا أُولِي الْأَلْبابِ
فيه التخصيص لأولي الألباب بالخطاب بعد حث جميع العباد على التقوى ، لأن أرباب الألباب والعقول هم القابلون لأوامر اللّه الناهضون بها ، ولب كل شيء خالصه .

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 198 ]

لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ( 198 )
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ
فيه الترخيص لمن حج في التجارة ونحوها من الأعمال التي يحصل بها شيء من الرزق ، وهو المراد بالفضل هنا ، ومنه قوله تعالى :
فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ
[ الجمعة : 10 ] أي لا إثم عليكم في أن تبتغوا في مواسم الحج رزقا ونفعا وهو الربح في التجارة مع سفركم لتأدية ما افترضه عليكم من الحج ، نزل ردا لكراهتهم ذلك . والحق أن الإذن في هذه التجارة جار مجرى الرخص وتركها أولى لقوله تعالى :
وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
[ البينة : 5 ] والإخلاص هو أن لا يكون له حامل على الفعل سوى كونه عبادة .