لا يقفون مع الناس بعرفات ، بل كانوا يقفون بالمزدلفة وهي من الحرم ، فأمروا بذلك .
وقد ورد في هذا المعنى روايات عن الصحابة والتابعين عند البخاري ومسلم وغيرهما ، وعلى هذا يكون ثم لعطف جملة بمعنى الواو لا للترتيب ، وقيل الخطاب لجميع الأمة ، والمراد بالناس « إبراهيم » أي أفيضوا من حيث أفاض إبراهيم فيحتمل أن يكون أمرا لهم بالإضافة من عرفة ، ويحتمل أن تكون إفاضة أخرى وهي التي من مزدلفة ، وعلى هذا يكون « ثم » على بابها للترتيب في الذكر لا في الزمان الواقع فيه الأعمال ، وقد رجح هذا الاحتمال الأخير ابن جرير الطبري وهو الذي يقتضيه ظاهر القرآن .
وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ
أي من مخالفتكم في الموقف ولجميع ذنوبكم ، وإنما أمروا بالاستغفار لأنهم في مساقط الرحمة ، ومواطن القبول ، ومظنات الإجابة ، وقيل إن المعنى استغفروا للذي كان مخالفا لسنة إبراهيم وهو وقوفكم بالمزدلفة دون عرفة ، وقد وردت أحاديث كثيرة في المغفرة لأهل عرفة ونزول الرحمة عليهم وإجابة دعائهم .
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
أي ساتر لذنوب عباده برحمته ، وفيه دليل على أنه يقبل التوبة من عباده التائبين ويغفر لهم .
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 200 إلى 201 ]
فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ( 200 ) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ ( 201 )
فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ
المراد بالمناسك أعمال الحج ، ومنه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « خذوا عني مناسككم » « 1 » أي فإذا فرغتم من أعمال الحج ، وقيل المراد بها الذبائح وذلك بعد رمي جمرة العقبة والاستقرار بمنى .
فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً
إنما قال سبحانه ذلك لأن العرب كانوا إذا فرغوا من حجهم يقفون عند الجمرة ، وقيل عند البيت فيذكرون مفاخر آبائهم ومناقب أسلافهم بالمنثور والمنظوم من الكلام الفصيح ، وغرضهم بذلك الشهرة والسمعة والرفعة ، فلما من اللّه عليهم بالإسلام أمرهم بذكره مكان ذلك الذكر ، ويجعلونه ذكرا مثل ذكرهم لآبائهم أو أشد من ذكرهم لآبائهم ، والذكر له بالتمجيد والتحميد والتهليل والتسبيح والتكبير والثناء عليه ، وقيل أو بمعنى الواو أي وأكثروا ذكر اللّه تعالى من ذكركم للآباء لأنه هو المنعم عليكم وعلى آبائكم فهو المستحق للذكر والحمد مطلقا .
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في الحج حديث 310 ، وأبو داود في المناسك باب 77 ، والنسائي في المناسك باب 220 .