تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١
ومن جملة ما احتجوا به القياس للحج على العمرة فكما يجوز الإحرام للعمرة في جميع السنة كذلك يجوز للحج ، ولا يخفى أن هذا القياس مصادم للنص القرآني فهو باطل . والحق ما ذهب إليه الأولون إن كانت الأشهر المذكورة في قوله :
الْحَجُّ أَشْهُرٌ
مختصة بالثلاثة المذكورة بنص أو إجماع ، فإن لم يكن كذلك فالأشهر ، جمع شهر ، وهو من جموع القلة يتردد ما بين الثلاثة إلى العشرة والثلاثة هي المتيقنة فيجب الوقوف عندها . ومعنى معلومات أن الحق في السنة مرة واحدة في أشهر معلومات من شهورها ليس كالعمرة ، أو المراد معلومات ببيان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، أو معلومات عند المخاطبين لا يجوز التقدم عليها ولا التأخر عنها .
فَمَنْ فَرَضَ
على نفسه
فِيهِنَّ الْحَجَّ
أي أوجبه عليها وألزمه إياها ، وأصل الفرض في اللغة الحز والقطع ، ومنه فرضة القوس والنهر والجبل ، ففرضية الحج لازمة للعبد الحر كلزوم الحز للقوس ، وقيل معنى فرض أبان وهو أيضا يرجع إلى القطع لأن من قطع شيئا فقد أبانه عن غيره . وقال ابن مسعود : الفرض الإحرام ، وقال ابن الزبير : الإهلال ، وروي نحو ذلك عن جماعة من التابعين ، والمعنى في الآية فمن ألزم نفسه وأوجب عليها فيهن الحج بالشروع فيه بالنية قصدا باطنا ، وبالإحرام فعلا ظاهرا وبالتلبية نطقا مسموعا ، وقال أبو حنيفة إن إلزامه نفسه يكون بالتلبية أو بتقليد الهدي وسوقه ، وقال الشافعي : تكفي النية في الإحرام بالحج .
فَلا رَفَثَ
قال ابن عباس وابن جبير والسدي وقتادة والحسن وعكرمة والزهري ومجاهد ومالك هو الجماع ، وفي رواية عن ابن عباس هو غشيان النساء والتقبيل والغمز ، وقال ابن عمر وطاوس وعطاء وغيرهم : الرفث الإفحاش بالكلام والخنا ، والقول القبيح ، وعلى هذا التلفظ به في غيبة النساء يكون رفثا ، وقال أبو عبيدة الرفث اللغا من الكلام .
وَلا فُسُوقَ
أصله الخروج عن حدود الشرع وعن الطاعة ، وقيل هو الذبح للأصنام ، وقيل التنابز بالألقاب ، وقيل السباب ، وقال ابن عمر : هو ما نهى عنه المحرم في حال الإحرام من قتل الصيد وتقليم الأظفار وأخذ الشعر وما أشبه ذلك . والظاهر أنه لا يختص بمعصية متعينة ، وإنما خصصه من خصصه بما ذكر باعتبار أنه قد أطلق على ذلك الفرد اسم الفسوق كما قال سبحانه في الذبح للأصنام
أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ
[ الأنعام : 145 ] وقال في التنابز :
بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 281 | صديق الحسيني القنوجي البخاري