تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 276

مساهمون:

ص٢٧٦
وأجابوا عن الآية والأحاديث المصرحة بأنها فريضة بحمل ذلك على أنه قد وقع الدخول فيها وهي بعد الشروع فيها واجبة بلا خلاف . وهذا وإن كان فيه بعد لكنه يجب المصير إليه جمعا بين الأدلة ، ولا سيما بعد تصريحه صلّى اللّه عليه وسلّم بما تقدم في حديث جابر من عدم الوجوب . وعلى هذا يحمل ما ورد مما فيه دلالة على وجوبها كما أخرجه الشافعي في الأم أن في الكتاب الذي كتبه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لعمرو بن حزم أن العمرة هي الحج الأصغر ، وكحديث ابن عمر عند البيهقي في الشعب قال جاء رجل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : أوصني فقال : « تعبد اللّه ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم شهر رمضان وتحج وتعتمر وتسمع وتطيع ، وعليك بالعلانية وإياك والسر » . وهكذا ينبغي حمل ما ورد من الأحاديث التي قرن فيها بين الحج والعمرة في أنهما من أفضل الأعمال وأنهما كفارة لما بينهما وأنهما يهدمان ما كان قبلهما ونحو ذلك . وأركان الحج خمسة الإحرام والوقوف بعرفة والطواف والسعي والحلق أو التقصير ، وأركان العمرة أربعة الإحرام والطواف والسعي والحلق أو التقصير ، وبهذه الأركان تمام الحج والعمرة .
فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ
أصل الحصر في اللغة الحبس والتضييق ، قال أبو عبيدة والكسائي والخليل أنه يقال أحصر بالمرض وحصر بالعدو ، وفي المجمل لابن فارس العكس ، ورجح الأول ابن العربي قال وهو رأي أكثر أهل اللغة ، وقال الزجاج : أنه كذلك عند جميع أهل اللغة ، وقال الفراء : هما بمعنى واحد في المرض والعدو ، ووافقه على ذلك أبو عمرو الشيباني فقال حصرني الشيء وأحصرني أي حبسني . وبسبب هذا الاختلاف بين أهل اللغة اختلف أئمة الفقه في معنى الآية فقالت الحنفية : المحصر من يصير ممنوعا من مكة بعد الإحرام بمرض أو عدو أو غيره ، وقالت الشافعية وأهل المدينة : المراد بالآية حصر العدو . وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن المحصر بعد ويحل حيث أحصر ، وينحر هديه إن كان ثم هدي ويحلق رأسه كما فعل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم هو وأصحابه في الحديبية .
فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ
أي إن أحصرتم دون تمام الحج والعمرة فحللتم فالواجب أو فعليكم أو فانحروا أو فاهدوا ما تيسر ، يقال يسر الأمر واستيسر كما يقال صعب واستصعب ، وليس السين للطلب ، والهدي والهدى لغتان وهما جمع هدية وهي ما يهدى إلى البيت من بدنة أو غيرها ، ويقال في جمع الهدي أهداء . واختلف أهل العلم في المراد بقوله :
فَمَا اسْتَيْسَرَ
فذهب الجمهور إلى أنه شاة ، وقال ابن عمر وعائشة وابن الزبير : جمل أو بقرة ، وقال الحسن : أعلى الهدي
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 276 | صديق الحسيني القنوجي البخاري