تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
وأقول هذه الآية التي جعلها ابن عباس ناسخة مؤيدة لما تدل عليه الآيات التي جعلها منسوخة ومؤكدة له ، فإن الظاهر من قوله :
فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً
[ الإسراء : 33 ] أنه جعل السلطان له ، أي جعل له تسلطا يتسلط به على القاتل ، ولهذا قال :
فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ
[ الإسراء : 33 ] . ثم لو سلمنا أن معنى الآية كما قاله لكان ذلك مخصصا للقتل من عموم الآيات المذكورة لا ناسخا له ، فإنه لم ينص في هذه الآية إلا على القتل وحده ، وتلك الآيات شاملة له ولغيره ، وهذا معلوم من لغة العرب التي هي المرجع في تفسير كلام اللّه سبحانه . ولما أباح لهم الاقتصاص بالمثل ، وشأن النفس حب المبالغة في الانتقام من العدو حذرهم من ذلك فقال :
وَاتَّقُوا اللَّهَ
أي في حال كونكم منتصرين لأنفسكم ممن اعتدى عليكم فلا تعتدوا إلى ما لا يحل لكم
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ
بالنصر والعون .

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 195 ]

وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 195 )
وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
في هذه الآية الأمر بالإنفاق في سبيل اللّه وهو الجهاد بالمال ، واللفظ يتناول غيره مما يصدق عليه أنه من سبيل اللّه ، والإنفاق هو صرف المال في وجوه المصالح الدينية كالإنفاق في الحج والعمرة وصلة الرحم والصدقة وتجهيز الغزاة وعلى النفس والعيال وغير ذلك مما فيه قربة اللّه تعالى ، لأن كل ذلك يصدق عليه أنه في سبيل اللّه ، ولكن إطلاق هذا اللفظ ينصرف إلى الجهاد . عن خزيم بن فاتك قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من أنفق نفقة في سبيل اللّه كتب اللّه له سبعمائة ضعف » « 1 » أخرجه الترمذي والنسائي .
وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
الباء زائدة ومثله
أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى
[ العلق : 14 ] وقال المبرد : أي بأنفسكم تعبير بالبعض عن الكل كقوله :
فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ
[ الشورى : 30 ] وقيل هذا مثل مضروب يقال فلان ألقى بيده في أمر كذا إذا استسلم لأن المستسلم في القتال يلقي سلاحه بيديه فكذلك فعل كل عاجز في أي فعل كان . وقال قوم : التقدير ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم ، وعبر بالأيدي عن الأنفس ، لأن بها البطش والحركة ، والتهلكة مصدر من هلك يهلك هلاكا ، وهلكا وتهلكة أي لا تأخذوا فيما يهلككم ، قال اليزيدي : التهلكة من نوادر المصادر ليست مما يجري على القياس . وللسلف في معنى الآية أقوال ، قال حذيفة : نزلت في النفقة أي تركها في سبيل اللّه مخافة العيلة ، وروي نحوه عن ابن عباس وعكرمة والحسن ، وقال
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في فضائل الجهاد باب 4 ، والنسائي في الجهاد باب 45 .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 273 | صديق الحسيني القنوجي البخاري