تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 277

مساهمون:

ص٢٧٧
بدنة وأوسطه بقرة وأدناه شاة ، وهذا الدم دم ترتيب وتعديل كما أشار له ابن المقرئ .
وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ
هو خطاب لجميع الأمة من غير فرق بين محصر وغير محصر ، وإليه ذهب جمع من أهل العلم ، وذهبت طائفة إلى أنه خطاب للمحصرين خاصة أي لا تحلوا من الإحرام حتى تعلموا أن الهدي الذي بعثتموه إلى الحرام قد بلغ محله ، وهو الموضع الذي يحل فيه ذبحه . واختلفوا في تعيينه فقال مالك والشافعي : هو موضع الحصر اقتداء برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حيث أحصر في عام الحديبية ، وقال أبو حنيفة : هو الحرم لقوله تعالى :
ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ
[ الحج : 33 ] وأجيب عن ذلك بأن المخاطب به هو الآمن الذي يمكنه الوصول إلى البيت ، وأجاب الحنفية عن نحره صلّى اللّه عليه وسلّم بالحديبية بأن طرف الحديبية الذي إلى أسفل مكة هو من الحرم ، ورد بأن المكان الذي وقع فيه النحر ليس هو من الحرم .
فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ
المراد بالمرض هنا ما يصدق عليه مسمى المرض لغة ، والمراد بالأذى من الرأس ما فيه من قمل أو صداع أو جراح ونحو ذلك فمن حلق فعليه فدية . وقد بينت السنة ما أطلق هنا من الصيام والصدقة والنسك فثبت في الصحيح أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رأى كعب بن عجرة وهو محرم وقمله يتساقط على وجهه فقال : « يؤذيك هوام رأسك قال نعم ، فأمره أن يحلق ويطعم ستة مساكين أو يهدي شاة أو يصوم ثلاثة أيام » « 1 » . وقد ذكر ابن عبد البر أنه لا خلاف بين العلماء أن النسك هنا هو شاة ، وحكي عن الجمهور أن الصوم هنا ثلاثة أيام والإطعام لستة مساكين . وروي عن الحسن وعكرمة ونافع أنهم قالوا : الصوم في فدية الأذى عشرة أيام والإطعام لعشرة مساكين ، والحديث الصحيح المتقدم يرد عليهم ويبطل قولهم . وقد ذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم وداود إلى أن الإطعام في ذلك مدان بمد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أي لكل مسكين ، وقال الثوري : نصف صاع من بر أو صاع من غيره ، وروي ذلك عن أبي حنيفة ، قال ابن المنذر : وهذا غلط لأن في بعض أخبار كعب أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال له : تصدق بثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين . واختلفت الرواية عن أحمد فروي عنه مثل قول مالك والشافعي ، وروي عنه أنه إن أطعم برا فمد لكل مسكين ، وإن أطعم تمرا فنصف صاع .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في المغازي باب 35 ، والمحصر باب 7 ، ومسلم في الحج حديث 83 ، بلفظ : « والقمل يتهافت على وجهه » .