تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ
فيه دلالة على أن هذا الذي أحله اللّه كان حراما عليهم ، وهكذا كان كما يفيده السبب لنزول الآية ، فقد أخرج البخاري وأبو داود والنسائي وغيرهم عن البراء بن عازب قال كان أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا كان الرجل صائما فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي ، وأن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائما فكان يومه ذلك يعمل في أرضه فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال هل عندكم طعام قالت لا ، ولكن أنطلق فأطلب ذلك ، فغلبته عينه فنام وجاءت امرأته فلما رأته نائما قالت خيبة لك أنمت ، فلما انتصف النهار غشي عليه ، فذكر ذلك النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فنزلت هذه الآية إلى قوله :
مِنَ الْفَجْرِ
ففرحوا بها فرحا شديدا « 1 » . والرفث كناية عن الجماع ، وعن ابن عباس قال الدخول والتغشي والإفضاء والمباشرة والرفث واللمس والمس هذا الجماع ، غير أن اللّه حيي كريم يكني بما شاء عما شاء ، قال الزجاج : الرفث كلمة جامعة لكل ما يريد الرجل من امرأته وكذا قال الأزهري ، وقيل الرفث أصله قول الفحش ، رفث وأرفث إذا تكلم بالقبيح وليس هو المراد هنا وعدي الرفث بإلى لتضمينه معنى الإفضاء .
هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ
تعليل لما قبله وجعل النساء لباسا للرجال والرجال لباسا لهن لامتزاج كل واحد منهما بالآخر عند الجماع كالامتزاج الذي يكون بين الثوب ولابسه ، قال أبو عبيدة وغيره : يقال للمرأة لباس وفراش وإزار ، وقيل إنما جعل كل واحد منهما لباسا للآخر لأنه يستره عند الجماع عن أعين الناس وعن ابن عباس : هن سكن لكم وأنتم سكن لهن قيل لا يسكن شيء إلى شيء كسكون أحد الزوجين إلى الآخر ، وقد روي في سبب نزول هذه الآية أحاديث عن جماعة من الصحابة نحو ما قاله البراء .
عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ
أي تخونونها بالمباشرة في ليالي الصوم يقال خان وأختان بمعنى وهما من الخيانة ، قال القتيبي أصل الخيانة أن يؤتمن الرجل على شيء فلا يؤدي الأمانة فيه انتهى ، وإنما سماهم خائنين لأنفسهم لأن ضرر ذلك عائد عليهم .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الصوم باب 15 ، وأبو داود في الصوم باب 1 ، والترمذي في تفسير سورة 2 ، باب 15 ، والدارمي في الصوم باب 7 ، وأحمد في المسند 5 / 247 .