تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥
ثم هذا الاعتكاف المذكور في الآية قد بينه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لأمته باعتكافه غير مرة وهو وزوجاته وأصحابه بمحضره فكان صلّى اللّه عليه وسلّم إذا أراد الاعتكاف أمر بخبائه فضرب في المسجد كما ثبت في الصحيحين وغيرهما ثم أقام فيه لا يخرج منه إلا لحاجة الإنسان ويعود مسرعا لا يعود مريضا ولا يشتغل بشيء كما ثبت في دواوين الإسلام فهذا هو الاعتكاف الشرعي الذي علمنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . ومن زعم أن المراد به مطلق اللبث ولو في غير المسجد ، نظر إلى أصل معناه اللغوي فقد قدم الحقيقة اللغوية على الحقيقة الشرعية وهو خلاف ما تقرر في الأصول ، بل خلاف ما عليه أهل العلم سلفا وخلفا ، ولو كان الاعتكاف المشروع هو مجرد اللبث ولو في غير المسجد لكان اللابث في داره وفي سوقه وفي المصاطب ونحوها معتكفا إذا حصلت منه النية ، وهذا خلاف ما في القرآن الكريم ، وخلاف ما ثبت تواترا في السنة المطهرة ، وخلاف ما فهمه المسلمون من هذه العبادة ، بل خلاف ما ورد عنه صلّى اللّه عليه وسلّم من قوله كما في سنن سعيد بن منصور من حديث ابن مسعود قال : لقد علمت أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة أو قال : إلا في مسجد جماعة » . وأما ما فهمه بعض الناس من جواز الوطء للمعتكف في غير المسجد فيرده ما رواه أبو داود عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها قالت : السنة على المعتكف أن لا يعود مريضا ولا يشهد جنازة ولا يمس امرأة ولا يباشرها ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد منه ، ولا اعتكاف إلا بصوم ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع « 1 » ، وقد تقرر أن قول الصحابي « من السنة » أو السنة له حكم الرفع ، وهذا الحديث كما يدل على تحريم الوطء على المعتكف يدل على أنه لا اعكاف إلا في مسجد جامع فهو يرد عليه من جهتين ، وقد ذكر الشوكاني الكلام على هذا الحديث في شرحه على المنتقى فليرجع إليه .
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها
أي هذه الأحكام حدود اللّه ، وأصل الحد المنع ومنه سمي البواب والسجان حدادا ، وسميت الأوامر والنواهي حدود اللّه لأنها تمنع أن يدخل فيها ما ليس منها وأن يخرج عنها ما هو منها ، ومن ذلك سميت الحدود حدودا لأنها تمنع أصحابها من العود ، ومعنى النهي عن قربانها النهي عن تعديها بالمخالفة لها ، وقيل إن حدود اللّه هي محارمة فقط ومنها المباشرة من المعتكف والافطار في رمضان لغير عذر وغير ذلك مما سبق النهي عنه ، ومعنى النهي عن قربانها على هذا واضح ، وقيل حدود اللّه فرائض اللّه . وقيل المقادير التي قدرها ومنع من مخالفتها
كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
أي كما بين لكم هذه الحدود يبين لكم معالم دينه وأحكام شريعته والعلامات الهادية إلى الحق .
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود في الصوم باب 80 .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 265 | صديق الحسيني القنوجي البخاري