فَتابَ عَلَيْكُمْ
يحتمل معنيين أحدهما قبول التوبة من خيانتهم لأنفسهم ، والآخر التخفيف عنهم بالرخصة والإباحة كقوله :
عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ
[ المزمل :
20 ] يعني خفف عنكم وكقوله :
فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ
[ النساء : 92 ] يعني تخفيفا وهكذا قوله :
وَعَفا عَنْكُمْ
يحتمل العفو من الذنب ويحتمل التوسعة والتسهيل
فَالْآنَ
قال أبو البقاء « الآن » حقيقة الوقت الذي أنت فيه وقد يقع على الماضي القريب منك وعلى المستقبل القريب تنزيلا للقريب منزلة الحاضر وهو المراد هنا ، وقد تقدم الكلام على الآن
بَاشِرُوهُنَّ
أي جامعوهن فهو حلال لكم في ليالي الصوم ، وسميت المجامعة مباشرة لتلاصق بشرة كل واحد بصاحبه ، قيل هذا الأمر والثلاثة بعده للإباحة وفيه دليل على جواز نسخ الكتاب للسنة .
وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ
تأكيد لما قبله أو تأسيس ، والثاني أولى أي ابتغوا بمباشرة نسائكم حصول ما هو معظم المقصود من النكاح وهو حصول النسل والولد ، قيل فيه نهي عن العزل وقيل عن غير المأتي ، والتقدير وابتغوا المحل الذي كتب اللّه لكم ، وقيل المراد ابتغوا القرآن بما أبيح لكم فيه قاله الزجاج وغيره ، وقيل ابتغوا الرخصة والتوسعة وقيل ابتغوا ما كتب لكم من الإماء والزوجات ، وقيل ابتغوا ليلة القدر ، وقيل غير ذلك مما لا يفيده النظم القرآني ولا دل عليه دليل آخر ، وقرأ الحسن البصري واتبعوا بالعين المهملة من الاتباع .
كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ
هو تشبيه للمنع والمراد هنا بالخيط الأبيض هو المعترض في الأفق لا الذي هو كذنب السرحان فإنه الفجر الكذاب الذي لا يحل شيئا ولا يحرمه ، والمراد بالخيط الأسود سواد الليل ، والتبيين أن يمتاز أحدهما عن الآخر ، وذلك لا يكون إلا عند دخول وقت الفجر .
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن سهل بن سعد قال : كان رجل إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود ، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما فأنزل اللّه
مِنَ الْفَجْرِ
فعلموا أنه يعني الليل من النهار « 1 » .
وفي الصحيحين وغيرهما عن عدي بن حاتم أنه جعل تحت وسادته خيطين أبيض وأسود جعل ينظر إليهما فلا يتبين له الأبيض من الأسود ، فغدا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأخبره قال : إن وسادك إذن لعريض ، إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل « 2 » ،
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الصوم باب 16 ، ز تفسير سورة 2 ، باب 28 ، ومسلم في الصيام حديث 35 .
( 2 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 2 ، باب 28 ، ومسلم في الصيام حديث 33 ، وأبو داود في الصوم باب 17 ، والدارمي في الصوم باب 7 .