تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
واحدة ثم أنزل بعد ذلك على مواقع النجوم رسلا في الشهور والأيام ، وعنه قال نزل القرآن جملة لأربع وعشرين من رمضان فوضع في بيت العزة في السماء الدنيا فجعل جبريل ينزل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ترتيلا ، وعنه أنه قال ليلة القدر هي الليلة المباركة وهي في رمضان أنزل القرآن جملة واحدة من الذكر إلى البيت المعمور ؛ ثم نزل به جبريل نجوما في ثلاث وعشرين سنة .
هُدىً لِلنَّاسِ
أي هاديا لهم من الضلال بإعجازه
وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى
من عطف الخاص على العام إظهارا لشرف المعطوف بإفراده بالذكر لأن القرآن يشمل محكمه ومتشابهه ، والبينات تختص بالمحكم منه ، قيل الهدى الأول في الأحكام الاعتقادية والهدى الثاني في الفرعية فهما متغايران
وَالْفُرْقانِ
هو ما فرق بين الحق والباطل أي فصل .
فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ
هذا من أنواع المجاز اللغوي وهو إطلاق اسم الكل على الجزء ، أطلق الشهر وهو اسم للكل وأراد جزءا منه ، وقد فسره علي وابن عمر أن من شهد أول الشهر
فَلْيَصُمْهُ
جميعه ، والمعنى ومن حضر ولم يكن في سفر بل كان مقيما فليصم فيه ، قال جماعة من السلف والخلف أن من أدركه شهر رمضان مقيما غير مسافر لزمه صيامه ، سافر بعد ذلك أو أقام ، واستدلوا بهذه الآية . وقال الجمهور : أنه إذا سافر أفطر لأن معنى الآية أنه حضر الشهر من أوله إلى آخره لا إذا حضر بعضه وسافر فإنه لا يتحتم عليه إلا صوم ما حضره ، وهذا هو الحق ، وعليه دلت الأدلة الصحيحة من السنة ، وقد كان يخرج صلّى اللّه عليه وسلّم في رمضان فيفطر ، وقيل هي رؤية الهلال ولذلك قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته » « 1 » ، أخرجه الشيخان ، ولا خلاف أنه يصوم رمضان من رأى الهلال ومن أخبر به ؛ ثم قيل يجزئ فيه خبر الواحد قاله أبو ثور ، وقيل خبر الجمع قاله مالك .
وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ
قد تقدم تفسيره وإنما كرره لأن اللّه تعالى ذكر في الآية الأولى تخيير المريض والمسافر والمقيم الصحيح ثم نسخه بقوله :
فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ
فلو اقتصر على هذا لاحتمل أن يشمل النسخ الجميع فأعاد بعد ذكر الناسخ الرخصة للمريض والمسافر ليعلم أن الحكم فيهما باق على ما كان عليه ، وقد أطال بعضهم في بيان مسائل المرض والسفر في تفسير هذه الآية والأمر ظاهر .
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ
فلذلك أباح الفطر للسفر والمرض ،
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الصوم باب 11 ، ومسلم في الصيام حديث 4 ، 18 ، 19 ، 30 .