تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣
بالفوقية ، والمعنى على الأولى لو يرى الذين ظلموا في الدنيا عذاب الآخرة لعلموا حين يرونه
أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً
قاله أبو عبيدة ، قال النحاس : وهذا القول هو الذي عليه أهل التفسير انتهى ، وعلى هذا فالرؤية هي البصرية لا القلبية ، وروي عن محمد بن يزيد قال : هذا التفسير الذي جاء به أبو عبيدة بعيد ، وليست عبارته فيه بالجيدة لأنه يقدر ولو يرى الذين ظلموا العذاب ، فكأنه يجعله مشكوكا فيه وقد أوجبه اللّه تعالى ، ولكن التقدير وهو الأحسن ولو يرى الذين ظلموا أن القوة للّه ، ويرى بمعنى يعلم أي لو يعلمون حقيقة قوة اللّه وشدة عذابه ، قال : وجواب لو محذوف أي لتبينوا ضرر اتخاذهم الآلهة كما حذف في قوله :
وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ
[ الأنعام : 27 ]
وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ
[ الأنعام : 30 ] . ومن قرأ بالفوقية فالتقدير ولو ترى يا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم الذين ظلموا في حال رؤيتهم العذاب وفزعهم منه لعلمت أن القوة للّه جميعا ، وقد كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم علم ذلك ؛ ولكن خوطب بهذا الخطاب ؛ والمراد به أمته ، وقيل
أَنَّ
في موضع نصب مفعول لأجله أي لأن القوة للّه ، ودخلت إذ وهي لما مضى في إثبات هذه المستقبلات تقريبا للأمر وتصحيحا لوقوعه ، وهو مما يتكرر في القرآن كثيرا ، وجميع في الأصل فعيل من الجمع وكأنه اسم جمع فلذلك يتبع تارة بالمفرد ، قال تعالى :
نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ
[ القمر : 44 ] وتارة بالجمع قال تعالى :
جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ
[ يس : 32 ] وينتصب حالا ويؤكد بمعنى كل ، ويدل على الشمول كدلالة كل ، ولا دلالة له على الاجتماع في الزمان .
وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ
عطف على ما قبله وفائدته تهويل الخطب وتفظيع الأمر ، فإن اختصاص القوة به تعالى لا يوجب شدة العذاب لجواز تركه عفوا مع القدرة عليه .

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 166 إلى 168 ]

إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ ( 166 ) وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ ( 167 ) يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 168 )
إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ
أي تنزه وتباعد معناه أن السادة والرؤساء من مشركي الإنس تبرؤوا ممن اتبعهم على الكفر ورأوا يعني التابعين والمتبوعين العذاب ، قيل عند المعاينة في الدنيا ، وقيل عند العرض والمساءلة في الآخرة ، ويمكن أن يقال فيهما جميعا إذ لا مانع من ذلك ، وقيل هم الشياطين يتبرؤون من الإنس وبه قال قتادة ، والقول هو الأول ، وقد احتج جمع من أهل العلم بهذه الآية
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 233 | صديق الحسيني القنوجي البخاري