تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
وفاعل هذه الخواطر هو اللّه تعالى ، وإنما الشيطان كالعرض ، وقد صح عنه صلّى اللّه عليه وسلّم أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم « 1 » .
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا
الضمير في
لَهُمُ
راجع إلى الناس في قوله :
يا أَيُّهَا النَّاسُ
[ البقرة : 21 ] لأن الكفار منهم ، وهم المقصودون هنا فعدل عن المخاطبة إلى الغيبة على طريق الالتفات ، مبالغة في بيان ضلالهم ، كأنه يقول للعقلاء انظروا إلى هؤلاء الحمقى ماذا يقولون ، وقيل مشركو العرب خاصة ، وقد سبق ذكرهم في قوله :
مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً
[ البقرة : 165 ] ولفظ أبي السعود نزلت في المشركين أمروا باتباع القرآن وسائر ما أنزل اللّه من الحجج الظاهرة والبينات الباهرة فجنحوا للتقليد انتهى ، وقيل نزلت في اليهود ، وعلى هذا فالآية مستأنفة ، وألفينا معناه وجدنا وفي هذه الآية من الذم للمقلدين والنداء بجهلهم الفاحش ، واعتقادهم الفاسد ما لا يقادر قدره حيث عارضوا الدلالة بالتقليد . ومثل هذه الآية قوله تعالى :
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا
[ المائدة : 104 ] الآية يعني من التحريم والتحليل ، وفي ذلك دليل على قبح التقليد والمنع منه ، والبحث في ذلك يطول . قال الرازي في هذه الآية تقرير هذا الجواب من وجوه : أحدها : أنه يقال للمقلد هل تعترف بأن شرط جواز تقليد الإنسان أن يعلم كونه محقا أم لا ، فإن اعترفت بذلك لم تعلم جواز تقليده إلا بعد أن تعرف كونه محقا فكيف عرفت أنه محق ، وإن عرفت بتقليد آخر لزم التسلسل ، وإن عرفته بالعقل فذلك كاف فلا حاجة إلى التقليد ، وإن قلت ليس من شرط جواز تقليده أن يعلم كونه محقا ، فإذا قد جوزت تقليده وإن كان مبطلا ، فإذا أنت على تقليدك لا تعلم أنك محق أو مبطل . وثانيها : هب أن ذلك المتقدم كان عالما بهذا الشيء إلا أنا لو قدرنا أن ذلك المتقدم ما كان عالما بذلك الشيء قط وما اختار فيه البتة مذهبا ، فأنت ماذا كنت تعمل ، فعلى تقدير أن لا يوجد ذلك المتقدم ولا مذهبه كان لا بد من العدول إلى النظر فكذا ههنا . وثالثها : أنك إذا قلدت من قبلك فذلك المتقدم كيف عرفته ، أعرفته بتقليد أم لا بتقليد ، فإن عرفته بتقليد لزم إما الدور وإما التسلسل ، وإن عرفته لا بتقليد بل بدليل ،
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الأحكام باب 21 ، والاعتكاف باب 11 ، 12 ، وبدء الخلق باب 11 ، والأدب باب 121 ، ومسلم في السّلام حديث 23 ، 24 ، 25 ، وأبو داود في السنة باب 17 ، 18 ، والأدب باب 81 ، والصوم باب 79 ، وابن ماجة في الصيام باب 65 ، والدارمي في الرقاق باب 66 ، في الترجمة ، وأحمد في المسند 3 / 156 ، 285 ، 6 / 337 .