تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢
غير عمد ولا علائق ، والأول أظهر ، والآية في ذلك أن السحاب مع ما فيه من المياه العظيمة التي تسيل منها الأودية العظيمة يبقى معلقا بين السماء والأرض بلا علاقة تمسكه ولا دعامة تسنده ، وفيه آيات أخر . ففي هذه الأنواع المثانية دلالة عظيمة على وجود الصانع القادر المختار وأنه الواحد في ملكه فلا شريك له ولا نظير ، وهو المراد بقوله :
إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
أي دلالات على وحدانيته سبحانه لمن ينظر ببصره ويتفكر بعقله ، وإنما جمع آيات لأن في كل واحد مما ذكر من هذه الأنواع آيات كثيرة تدل على أن لها خالقا مدبرا مختارا .

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 165 ]

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ ( 165 )
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ
إظهار الاسم الجليل في مقام الإضمار لتربية المهابة وتفخيم المضاف ، وإبانة كمال قبح ما ارتكبوه . ولما فرغ سبحانه من الدليل على وحدانيته ، أخبر أن مع هذا الدليل الظاهر المفيد لعظيم سلطانه وجليل قدرته وتفرده بالخلق ، قد وجد في الناس من يتخذ معه سبحانه ندا يعبده من الأصنام كذا قيل ، وقد تقدم تفسير الأنداد مع أن هؤلاء الكفار لم يقتصروا على مجرد عبادة الأنداد ، بل أحبوها حبا عظيما ، وأفرطوا في ذلك إفراطا بالغا حتى صار حبهم لهذه الأوثان ونحوها متمكنا في صدورهم كتمكن حب المؤمنين للّه سبحانه ، ويجوز أن يكون المراد كحبهم للّه أي عبدة الأوثان ، قاله الزجاج وابن كيسان ، ويجوز أن يكون مبنيا للمفعول ومعناه كما يحب اللّه ويعظم ، والأول أولى لقوله :
وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ
فإنه استدراك لما يفيده التشبيه من التساوي أي أن حب المؤمنين للّه أشد من حب الكفار الأنداد ، لأن المؤمنين يخصون اللّه سبحانه بالعبادة والدعاء ، والكفار لا يخصون أصنامهم بذلك بل يشركون اللّه معهم ويعترفون بأنهم إنما يعبدون أصنامهم ليقربوهم إلى اللّه ، ويمكن أن يجعل هذه الجملة دليلا على الثاني لأن المؤمنين إذا كانوا أشد حبا للّه لم يكن حب الكفار للأنداد كحب المؤمنين للّه ، وقيل المراد بالأنداد هنا الرؤساء والكبراء أي يطيعونهم في معاصي اللّه ، ويقوى هذا الضمير في قوله :
يُحِبُّونَهُمْ
فإنه لمن يعقل ، ويقويه أيضا قوله سبحانه عقب ذلك :
إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا
[ البقرة : 166 ] الآية ، والحب نقيض البغض والمحبة والإرادة وقيل في معنى الآية غير ذلك وإيثار إظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لتفخيم الحب والاشعار بعلته .
وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ
قرأ أهل مكة بالياء وأهل الشام
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 232 | صديق الحسيني القنوجي البخاري