من يقول إن الأرض كرة فكل ساعة عينتها فتلك الساعة في موضع من الأرض صبح ، وفي موضع آخر ظهر ، وفي آخر عصر ، وفي آخر مغرب ، وفي آخر عشاء . وهلم جرّا . هذا إذا اعتبرنا البلاد المختلفة في الطول . أما البلاد المختلفة في العرض فكل بلد يكون عرضه للشمال أكثر كانت أيامه الصيفية أطول وأيامه الشتوية بالضد من ذلك ، هذه الأحوال المختلفة في الأيام والليالي بحسب اختلاف أطوال البلاد وعروضها أمر عجيب قاله الكرخي .
وإنما قدم الليل على النهار لأن الظلمة أقدم . قال تعالى :
وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ
[ يس : 37 ] وهذا أصح القولين ، وقيل النور سابق الظلمة ، ويبنى على هذا الخلاف فائدة وهي أن الليلة هل هي تابعة لليوم قبلها أو لليوم بعدها ، فعلى القول الصحيح تكون الليلة اليوم بعدها فيكون اليوم تابعا لها ، وعلى القول الثاني تكون لليوم قبلها فتكون الليلة تابعة له ، فيوم عرفة على القول الأول مستثنى من الأصل فإنه تابع لليلة بعده ، وعلى الثاني جاء على الأصل .
والآية فيهما أن انتظام أحوال العباد بسبب طلب الكسب والمعيشة يكون في النهار وطلب النوم والراحة يكون بالليل ، فاختلافهما إنما هو لتحصيل مصالح العباد ، والنهار ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس ، وقال النصر بن شميل : أول النهار طلوع الشمس ولا يعد ما قبل ذلك من النهار ، وكذا قال ثعلب والزجاج ، وقسم ابن الأنباري الزمان إلى ثلاثة أقسام : قسما جعله ليلا محضا وهو من غروب الشمس إلى طلوع الفجر ، وقسما جعله نهارا محضا وهو من طلوع الشمس إلى غروبها ، وقسما جعله مشتركا بين النهار والليل وهو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس لبقايا ظلمة الليل ومبادئ ضوء النهار ، هذا باعتبار مصطلح أهل اللغة ، وأما في الشرع فالكلام في ذلك معروف .
وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ
وهي السفن وإفراده وجمعه بلفظ واحد وهو هذا ويذكر ويؤنث ، قال تعالى :
فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ
[ الشعراء : 119 ] و
الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ
وقال :
حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ
[ يونس : 22 ] وقيل واحده فلك بالتحريك مثل أسد وأسد ، والآية في الفلك تسخيرها وجريانها على وجه الماء وهي موقرة بالأثقال والرجال ، فلا ترسب ، وجريانها بالريح مقبلة ومدبرة وتسخير البحر لحمل الفلك مع قوة سلطان الماء وهيجان البحر فلا ينجي منه إلا اللّه تعالى .
بِما يَنْفَعُ النَّاسَ
يعني ركوبها ، والحمل عليها في التجارات لطلب الأرباح ، والآية في ذلك أن اللّه لو لم يقو قلب من يركب هذه السفن لما تم الغرض في منافعهم ، وأيضا فإن اللّه خص كل قطر من أقطار العالم بشيء معين ، وأحوج الكل إلى الكل ،