تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
على ذم التقليد وهو مذكور في موطنه
وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ
أي عنهم
الْأَسْبابُ
بسبب كفرهم جمع سبب ، وأصله في اللغة الحبل الذي يشد به الشيء ويجذب به ، ثم جعل كل ما جر شيئا سببا فهي مجاز هنا ، والمراد بها الوصل التي كانوا يتواصلون بها في الدنيا من الرحمة وغيرها ، وقيل هي الأعمال ، وقال ابن عباس : هي المنازل ، وقال أيضا : هي الأرحام وقال المودة ، وقيل العهود والحلف .
وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً
أي رجعة إلى الدنيا ، الكرة الرجعة والعودة إلى حال قد كانت ، و « لو » هنا بمعنى التمني كأنه قيل ليت لنا كرة ، ولهذا وقعت الفاء في الجواب ، والمعنى أن الأتباع قالوا لو رددنا إلى الدنيا حتى نعمل صالحا
فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ
أي المتبوعين
كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا
اليوم وهو جواب التمني
كَذلِكَ
أي كما أراهم اللّه العذاب
يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ
السيئة ، وهذه الرؤية إن كانت البصرية فقوله :
حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ
منتصب على الحال ، وإن كانت القلبية فهو المفعول الثالث ، والمعنى أن أعمالهم الفاسدة يريهم اللّه إياها فتكون عليهم حسرات وندامات أو يريهم اللّه الأعمال الصالحة التي أوجبها عليهم فتركوها فيكون ذلك حسرة عليهم ، والحسرة الغم على ما فاته وشدة الندم عليه كأنه انحسر عنه الجهل الذي حمله على ما ارتكبه
وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ
فيه دليل على خلود الكفار في النار ، وظاهر هذا التركيب يفيد الاختصاص ، وجعله الزمخشري للتقوية لغرض له يرجع إلى المذهب والبحث في هذا يطول ، عن ثابت بن معبد قال : ما زال أهل النار يأملون الخروج منها حتى نزلت هذه الآية .
يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً
قيل إنها نزلت في ثقيف وخزاعة وعامر بن صعصعة وبني مدلج فيما حرموه على أنفسهم من الحرث والأنعام ، حكاه القرطبي في تفسيره ، وهذا هو المشهور بخلاف ما جرى عليه القاضي من أنها نزلت في قوم حرموا على أنفسهم رفيع الأطعمة والملابس فإنه مرجوح ، قاله الكرخي ، ولكن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، وسمي الحلال حلالا لانحلال عقدة الحظر عنه ، والطيب هنا هو المستلذ كما قال الشافعي وغيره ، وقال مالك وغيره : هو الحلال فيكون تأكيدا لقوله حلالا . « ومن » في مما للتبعيض للقطع بأن في الأرض ما هو حرام كالحجارة لا يؤكل أصلا ، وليس كل ما يؤكل يجوز أكله فلذلك قال حلالا والأمر مستعمل في كل من الوجوب والندب والإباحة ، الأول إذا كان لقيام البنية ، والثاني كالأكل مع الضيف ، والثالث كغير ما ذكر ، وقيل معنى حلالا ، مأذونا فيه شرعا ، والطيب الحلال وإن لم يستلذ كالأدوية ، وفي هذه الآية دليل على أن كل ما لم يرد فيه نص أو ظاهر من الأعيان الموجودة في الأرض فأصله الحل حتى يرد دليل يقتضي تحريمه وأوضح دلالة على ذلك