تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١
فصار ذلك سببا يدعوهم إلى اقتحام الأخطار في الأسفار من ركوب السفن وخوف البحر وغير ذلك فالحامل ينتفع لأنه يربح ، والمحمول إليه ينتفع بما حمل إليه .
وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ
أي المطر الذي به حياة العالم وإخراج النبات والأرزاق
فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ
أي أظهر نضارتها وحسنها
بَعْدَ مَوْتِها
أي بعد يبسها وجدبها ، سماه موتا مجازا ، والآية في هذين اللّه جعله سببا لإحياء الجميع من حيوان ونبات ونزوله عند وقت الحاجة إليه بمقدار المنفعة وعند الاستسقاء والدعاء ، وإنزاله بمكان دون مكان
وَبَثَّ فِيها
أي في الأرض
مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ
قال ابن عباس : يريد كل ما دب على وجه الأرض من جميع الخلق من الناس وغيرهم ، والآية في ذلك أن جنس الإنسان يرجع إلى أصل واحد وهو آدم مع ما فيهم من الاختلاف في الصور والأشكال والألوان والألسنة ، والطبائع والأخلاق والأوصاف إلى غير ذلك ، ثم يقاس على بني آدم سائر الحيوان ، والبث النشر ، والظاهر أن قوله :
بَثَّ
معطوف على قوله فأحيا لأنهما أمران متسببان عن إنزال المطر ، وقال في الكشاف : إن الظاهر عطفه على أنزل ، وقال أبو حيان : لا يصح عطفه على أنزل ولا على أحيا ، والصواب أنه على حذف الموصوف أي وما بث ، وفيه زيادة فائدة وهو جعله آية مستقلة وحذف الموصول شائع في كلام العرب انتهى .
وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ
أي إرسالها عقيما وملقحة وصرا ونصرا وهلاكا وحارة وباردة ولينة وعاصفة ، وقيل تصريفها في مهابها جنوبا وشمالا ودبورا وقبولا وصبا ونكباء ، وهي التي تأتي بين مهبي ريحين ، وقيل تصريفها أن تأتي السفن الكبار بقدر ما تحملها والصغار كذلك ، ولا مانع من حمل التصريف على جميع ما ذكر ، وعن أبيّ بن كعب : كل شيء في القرآن من الرياح فهي رحمة وكل شيء من الريح فهي عذاب ، وقد ورد في النهي عن سب الريح وأوصافها أحاديث كثيرة « 1 » لا تعلق لها بالآية ، والآية في الريح إنه جسم لطيف لا يمسك ولا يرى وهو مع ذلك في غاية القوة بحيث يقلع الشجر والصخر ، ويخرب البنيان العظيم ، وهو مع ذلك حياة الوجود فلو أمسك طرفة عين لمات كل ذي روح وأنتن ما على وجه الأرض .
وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ
أي الغيم المذلل ، سمي سحابا لانسحابه في الهواء وسحبت ذيلي سحبا وتسحب فلان على فلان اجترأ ، والمسخر المذلل ، وسخره بعثه من مكان إلى آخر ، وقيل تسخيره ثبوته بين السماء والأرض من
هامش
( 1 ) منها حديث : « لا تسبوا الريح » ، أخرجه الترمذي في الفتن باب 65 ، والبر باب 48 ، وأبو داود في الأدب باب 45 ، وابن ماجة في الأدب باب 29 ، وأحمد في المسند 2 / 250 ، 268 ، 409 ، 437 ، 518 ، 5 / 123 .