إلى
الرَّحِيمُ
بهم بعد إقبالهم علي ، والجملة اعتراض تذييل محقق لمضمون ما قبله والالتفات إلى التكلم للتفنن في النظم الكريم ، مع ما فيه من التلويح والرمز إلى ما مر من اختلاف المبدأ في فعله تعالى السابق وهو اللعن واللاحق وهو الرحمة .
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
بالكتمان وغيره
وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ
جملة حالية وإثبات الواو فيها أفصح خلافا لمن جعل حذفها شاذا وهو الزمخشري تبعا للفراء ، وقد استدل بذلك على أنه لا يجوز لعن كافر معين لأن حاله عند الوفاة لا يعلم ولا ينافي ذلك ما ثبت عنه صلّى اللّه عليه وسلّم من لعنه لقوم من الكفار بأعيانهم لأنه يعلم بالوحي ما لا نعلم ، وقيل يجوز لعنه عملا بظاهر الحال كما يجوز قتاله ، واستدل بقوله :
أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ
على جواز لعن الكفار على العموم قال القرطبي لا خلاف في ذلك قال وليس لعن الكافر بطريق الزجر له عن الكفر بل هو جزاء على الكفر وإظهار قبح كفره ، سواء كان الكافر عاقلا أو مجنونا ، وقال قوم من السلف : لا فائدة في لعن من جن أو مات منهم لا بطريق الجزاء ولا بطريق الزجر .
قال : ويدل على هذا القول إن الآية دالة على الإخبار عن اللّه والملائكة والناس بلعنهم لا على الأمر به .
قال ابن العربي : إن لعن العاصي المعين لا يجوز باتفاق لما روي أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أتى بشارب خمر مرارا فقال بعض من حضر « لعنه اللّه ما أكثر ما يشربه » فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا تكونوا عونا للشيطان على أخيكم » « 1 » والحديث في الصحيحين
وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
قيل هذا يوم القيامة ، وأما في الدنيا ففي الناس المسلم والكافر ، ومن يعلم بالعاصي ومعصيته ومن لا يعلم فلا يتأتى اللعن له من جميع الناس ، وقيل في الدنيا ، والمراد يلعنه غالب الناس أو كل من علم بمعصيته منهم ، عن أبي العالية قال : إن الكافر يوقف يوم القيامة فيلعنه اللّه ثم يلعنه الملائكة ثم يلعنه الناس أجمعون ، وقال قتادة : يعني بالناس أجمعين المؤمنين .
خالِدِينَ فِيها
أي في النار ، وقيل في اللعنة وإنما أضمرت لعظم شأنها
لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ
فيعتذرون قاله أبو العالية ، وقال ابن عباس : لا يؤخرون ، والإنظار والإمهال ، وقيل معناه لا ينظر اللّه إليهم فهو من النظر ، وقيل هو من الانتظار أي لا ينتظرون ليعتذروا .
وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ
أي لا شريك له في الألوهية ولا نظير له في الربوبية ، والتوحيد هو نفي الشريك والقسيم والشبيه ، فاللّه تعالى واحد في أفعاله لا شريك له
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الحدود باب 5 ، وأحمد في المسند 1 / 438 .