النفس ، وبالصلاة التي هي عماد الدين ومعراج المؤمنين ، فإن من جمع بين ذكر اللّه وشكره واستعان بالصبر والصلاة على تأدية ما أمر اللّه به ، ودفع ما يرد عليه من المحن فقد هدي إلى الصواب ، ووفق للخير ، ومن الناس من حمل الصبر على الصوم وفسره به ، ومنهم من حمله على الجهاد ولا وجه لتخصيص نوع دون نوع ، والصبر حبس النفس على احتمال المكاره في ذات اللّه ، وتوطينها على تحمل المشاق في العبادات وسائر الطاعات ، وتجنب الجزع والمحظورات ، والمعنى استعينوا على طلب الآخرة بالصبر على الفرائض وبالصلوات الخمس على تمحيص الذنوب ، وخصها بالذكر لتكررها وعظمها لأنها أم العبادات ومناجاة رب الكائنات .
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ
أي بالعون والنصر وإجابة الدعوة ، وهذه المعية التي أوضحها اللّه فيها أعظم ترغيب لعباده سبحانه إلى لزوم الصبر على ما ينوب من الخطوب فمن كان اللّه معه لم يخش من الأهوال ، وإن كانت كالجبال ، وهذه المعية خاصة بالمتقين والمحسنين والصابرين ، وأما المعية بالعلم والقدرة فهي عامة في حق كل أحد ، والجملة تعليل لما قبلها من الاستعانة بالصبر خاصة كما قال أبو السعود أو بالصبر والصلاة كما قال الكرخي .
وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ
قيل نزلت فيمن قتل ببدر من المسلمين وكانوا أربعة عشر رجلا ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار ، وسماهم في الخازن بأسمائهم وكان الناس يقولون فيهم مات فلان وذهب عنه نعيم الدنيا ولذاتها فأنزل اللّه هذه الآية ، وقيل إن الكفار قالوا إن الناس يقتلون أنفسهم ظلما لمراضاة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم من غير فائدة فنزلت هذه الآية . وأخبر اللّه أن من قتل في سبيله فإنه حي ، وإما خص الشهداء لأنهم فضلوا على غيرهم بمزيد النعم ، وهو أنهم يرزقون من مطاعم الجنة ومآكلها ، وغيرهم ينعمون بما دون ذلك .
وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ
بهذه الحياة عند مشاهدتكم لأبدانهم بعد سلب أرواحهم لأنكم تحكمون عليها بالموت في ظاهر الأمر ، بحسب ما يبلغ إليه علمكم الذي هو بالنسبة إلى علم اللّه كما يأخذ الطائر في منقاره من ماء البحر . وليسوا كذلك في الواقع بل هم أحياء في البرزخ تصل أرواحهم إلى الجنان ، فهم أحياء من هذه الجهة ، وإن كانوا أمواتا من جهة خروج الروح من أجسادهم .
وفي الآية دليل على ثبوت عذاب القبر للعصاة وأن المطيعين للّه يصل إليهم ثوابهم وهم في قبورهم في البرزخ ، ولا اعتداد بخلاف من خالف في ذلك ، فقد تواترت به الأحاديث الصحيحة ودلت عليه الآيات القرآنية ، ومثل هذه الآية قوله تعالى :
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
[ آل عمران : 169 ] وقد وردت أحاديث في أن أرواح الشهداء في أجواف طيور خضر تأكل