وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ
يعني إلى الاسترجاع ، وقيل إلى الجنة ، وقيل إلى الحق والصواب ، وقال عمر بن الخطاب : نعم العدلان ونعمت العلاوة ، فالعدلان الصلاة والرحمة ، والعلاوة الهداية ، وقد وردت أحاديث كثيرة في ثواب أهل البلاء وأجر الصابرين ذكرها المفسرون لا نطيل بذكرها هنا فإنها معروفة في كتب الآثار .
إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ
أصل الصفا في اللغة الحجر الأملس الصلب وهو هنا علم ، جبل من جبال مكة معروف ، وكذلك المروة علم لجبل بمكة معروف ، وأصلها في اللغة واحدة والمروى ، وهي الحجارة الصغار التي فيها لين ، وقيل التي فيها صلابة ، وقيل يعم الجميع ، وقيل إنها الحجارة البيض البراقة . وقيل إنها الحجارة السود ، والشعائر جمع شعيرة وهي العلامة أي من أعلام مناسكه ، والمراد بها مواضع العبادة التي أشعرها اللّه اعلاما للناس من الموقف والمسعى والمنحر ، ومنه إشعار الهدي أي إعلامه بغرز حديدة في سنامه ، والأجود شعائر بالهمز لزيادة حرف المد وهو عكس معايش ومصايب .
فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ
هو في اللغة القصد ، وفي الشرع الإتيان بمناسك الحج التي شرعها اللّه سبحانه
أَوِ اعْتَمَرَ
العمرة في اللغة الزيارة ، وفي الشرع الإتيان بالنسك المعروف على الصفة الثابتة فالحج والعمرة قصد وزيارة
فَلا جُناحَ
أي فلا إثم
عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ
أي يدور
بِهِما
ويسعى بينهما والجناح أصله الجنوح وهو الميل ، ومنه الجوانح لاعوجاجها ، ورفع الجناح يدل على عدم الوجوب ، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري ، وحكى الزمخشري في الكشاف عن أبي حنيفة أنه يقول :
هو واجب وليس بركن ، وعلى تاركه دم وقد ذهب إلى عدم الوجوب ابن عباس وابن الزبير وأنس بن مالك وابن سيرين ، وعن أحمد أنه سنة ، وأجمعوا على أنه مشروع فيهما ، وإنما الخلاف في وجوبه .
ومما يقوي دلالة هذه الآية على عدم الوجوب قوله تعالى في آخر الآية
وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً
أي زاد على ما فرض عليه من حج أو عمرة أو طواف أو تطوع بالسعي أو فعل طاعة فرضا كان أو نفلا
فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ
مثيب على الطاعة لا يخفى عليه ، وذهب الجمهور إلى أن السعي واجب ونسك من جملة المناسك وهو قول ابن عمر وجابر وعائشة ، وبه قال الحسن ، وإليه ذهب الشافعي ومالك ، واستدلوا بما أخرجه الشيخان وغيرهما عن عائشة أن عروة قال لها أرأيت قول اللّه
إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ
الآية فما أرى على أحد جناحا أن لا يطوف بهما ، فقالت عائشة بئسما قلت يا ابن أختي إنها لو كانت على ما أولتها كانت فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما ، ولكنها إنما أنزلت لأن الأنصار قبل أن يسلموا كانوا يهلون لمناة ، لطاغية كانوا يعبدونها ، وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة في الجاهلية فأنزل