تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
ظلموا منهم فإنهم يحتجون ومعناه إلا من ظلم باحتجاجه فيما قد وضح له ، كأن تقول ما لك عليّ حجة إلا أن تظلمني أي ما لك عليّ حجة ولكنك تظلمني ، وسمى ظلمه حجة لأن المحتج بها سماه حجة وإن كانت داحضة . ورجح ابن جرير الطبري أن الاستثناء متصل وقال : نفى اللّه أن تكون لأحد حجة على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه في استقبالهم الكعبة ، والمعنى لا حجة لأحد عليكم إلا الحجة الداحضة حيث قالوا ما ولاهم ، وقالوا إن محمدا تحير في دينه وما توجه إلى قبلتنا ألا إنّا أهدى منه ، وغير ذلك من الأقوال التي لم تنبعث إلا من عابد وثن أو يهودي أو منافق ، قال : والحجة بمعنى المحاجة التي هي المخاصمة والمجادلة وسماها تعالى حجة وحكم بفسادها حيث كانت من ظالم ، ورجح ابن عطية أن الاستثناء منقطع كما قال الزجاج ، قال القرطبي : وهذا على أن يكون المراد بالناس اليهود ، ثم استثنى كفار العرب كأنه قال لكن الذين ظلموا في قولهم رجع محمد صلّى اللّه عليه وسلّم إلى قبلتنا وسيرجع إلى ديننا كله .
فَلا تَخْشَوْهُمْ
أي لا تخافوا جدالهم في التولي إليها ومطاعنهم فإنها داحضة باطلة لا تضركم
وَاخْشَوْنِي
أي احذروا عقابي إن أنتم عدلتم عما ألزمتكم به وفرضته عليكم
وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ
أي بهدايتي إياكم إلى قبلة إبراهيم لتتم لكم الملة الحنيفية ، وقيل تمام النعمة الموت على الإسلام ثم دخول الجنة ثم رؤية اللّه تعالى
وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
أي لكي تهتدوا من الضلالة ، ولعل وعسى من اللّه واجب .

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 151 إلى 152 ]

كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ( 151 ) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ ( 152 )
كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ
التشبيه واقع على أن النعمة في القبلة كالنعمة في الرسالة ، وقيل معنى الكلام على التقديم والتأخير أي فاذكروني كما أرسلنا ، قاله الزجاج وقيل غير ذلك ، والتعبير بصيغة التكلم الدالة على العظمة بعد التعبير بالصيغة التي لا دلالة لها عليها من قبيل التفنن وجريا على سنن الكبراء ، وفيكم خطاب لأهل مكة والعرب وكذا قوله منكم ، وفي إرساله رسولا منهم نعمة عظيمة عليهم لما فيه من الشرف لهم ، ولأن المعروف من حال العرب الأنفة الشديدة من الانقياد للغير ، فكان بعثة الرسول منهم وفيهم أقرب إلى قبول قوله والانقياد له ، والرسول هو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، والآيات القرآن وذلك من أعظم النعم لأنه معجزة باقية على الدهر ، والتزكية التطهير من دنس الشرك والذنوب ، وقيل محاسن الأعمال ومكارم الأفعال ، والحكمة هي السنة المطهرة والفقه في الدين .