تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
« من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة ، ومن أثنيتم عليه شرا وجبت له النار ، أنتم شهداء اللّه في الأرض » « 1 » ثلاثا . زاد الحكيم الترمذي ثم تلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هذه الآية . وفي الباب أحاديث كثيرة عن جماعة من الصحابة عند أهل الصحاح والسنن وغيرهم .
وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها
المراد بهذه القبلة هي بيت المقدس ، ويؤيد هذا قوله :
كُنْتَ عَلَيْها
إذ كان نزول هذه الآية بعد صرف القبلة إلى الكعبة ، وقيل المراد الكعبة أي القبلة التي أنت عليها الآن بعد أن كانت إلى بيت المقدس ويكون كنت بمعنى الحال ، وقيل المراد بذلك القبلة التي كان عليها قبل استقبال بيت المقدس ، فإنه كان يستقبل في مكة الكعبة ثم لما هاجر توجه إلى بيت المقدس تألفا لليهود ثم صرف إلى الكعبة ، وفيه أعاريب خمسة أحسنها ما ذكرناه .
إِلَّا لِنَعْلَمَ
استثناء مفرغ من أعم العلل
مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ
في التوجه إلى ما أمر به من القبلة أو الدين ، والالتفات إلى الغيبة مع إيراده صلّى اللّه عليه وسلّم بعنوان الرسالة للاشعار بعلة الاتباع
مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ
أي يرجع إلى الكفر ، وقد ارتد لذلك جماعة ، والمعنى ما جعلناها إلا لنبتليهم يعني من يسلم لأمره ممن يرجع إلى ما كان عليه من الكفر فيرتد ، قال ابن عباس : لنميز أهل اليقين من أهل الشك قيل المراد العلم هنا الرؤية ، وقيل ليعلم النبي وقيل المراد لنعلم ذلك موجودا حاصلا ، وهكذا ما ورد معللا بعلم اللّه سبحانه لا بد أن يؤول بمثل هذا كقوله :
وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ
[ آل عمران : 140 ] .
وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً
أي ما كانت إلا كبيرة كما قاله الفراء ، والضمير في كانت راجع إلى ما يدل عليه قوله :
وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها
من التحويلة والتولية أو الجعلة أو الردة ذكر معنى ذلك الأخفش ، ولا مانع من أن يرجع الضمير إلى القبلة المذكورة أي وإن كانت القبلة المتصفة بأنك كنت عليها لكبيرة أي تحويلها على أهل الشرك والريب ، قاله ابن عباس .
إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ
أي هداهم للإيمان فانشرحت صدورهم لتصديقك وقبلت ما جئت به عقولهم ، وهذا الاستثناء مفرغ لأن ما قبله في قوة النفي أي أنها لا تخف ولا تسهل إلا على أهل الهدى ، وقيل استثناء من مستثنى منه محذوف أي وإن كانت لكبيرة على الناس إلا على الذين ، وقيل يحتمل كلا الوجهين والأول أولى ، وعن ابن جريج قال : بلغني أن ناسا ممن أسلم رجعوا فقالوا مرة ههنا ومرة ههنا .
وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ
وهذه اللام تسمى لام الجحود عند البصريين وخبر كان محذوف أي ما كان اللّه مريدا لإضاعة إيمانكم ، والكوفيون لا يقدرون شيئا
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الجنائز باب 86 ، ومسلم في الجنائز حديث 60 ، والنسائي في الجنائز باب 50 .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 212 | صديق الحسيني القنوجي البخاري