تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ
لتضمنها معنى التهديد والتخويف الذي هو المقصود في هذا المقام ، وتلك إشارة إلى إبراهيم وإسماعيل ويعقوب والأسباط ، وقيل لأنه إذا اختلف مواطن الحجاج والمجادلة حسن تكريره للتذكير به وتأكيده ، وقيل إنما كرره تنبيها لليهود ولمن يتكل على فضل الآباء وشرفهم أي لا تتكلوا على فضل الآباء فكل يؤخذ بعمله ، وكل إنسان يسأل يوم القيامة عن كسبه لا عن كسب غيره ، وفيه وعظ وزجر وهذا كالأول .
سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ
هذا إخبار من اللّه سبحانه لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم وللمؤمنين بأن السفهاء من اليهود والمشركين والمنافقين سيقولون هذه المقالة قيل إن سيقول بمعنى قال وإنما عبر عن الماضي بلفظ المستقبل للدلالة على استدامته والاستمرار عليه ، وقيل إن الإخبار بهذا الخبر كان قبل التحول إلى الكعبة ، وإن فائدة ذلك أن الإخبار بالمكروه إذا وقع قبل وقوعه كان فيه تهوينا لصدمته وتخفيفا لروعته ، وكسرا لسورته ، والسفهاء جمع سفيه وهو الكذاب البهات المتعمد خلاف ما يعلم ، كذا قال بعض أهل اللغة ، وقال في الكشاف هم خفاف الأحلام ، ومثله في القاموس ، وقد تقدم في تفسير قوله :
إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ
[ البقرة : 130 ] ما ينبغي الرجوع إليه .
قيل نزلت هذه الآية في اليهود وذلك أنهم طعنوا في تحويل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة لأنهم لا يرون النسخ ، وقيل نزلت في مشركي مكة وذلك أنهم قالوا قد تردد على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أمره واشتاق مولده ، وقد توجه نحو بلدكم ، فلعله يرجع إلى دينكم ، وقيل نزلت في المنافقين وإنما قالوا ذلك استهزاء بالإسلام ، وقيل يحتمل أن لفظ السفهاء للعموم فيدخل فيه جميع الكفار والمنافقين واليهود ، ويحتمل وقوع هذا الكلام من كلهم إذ لا فائدة في التخصيص ، ولأن الأعداء يبالغون في الطعن والقدح فإذا وجدوا مقالا قالوا ، ومجالا جالوا ، والإتيان بالسين الدالة على الاستقبال من الإخبار بالغيب وعليه أكثر المفسرين وحكمته أنهم كما قالوا ذلك في الماضي منهم أيضا من يقوله في المستقبل كما قال البيضاوي تبعا للكشاف .
ما وَلَّاهُمْ
أي ما صرفهم
عَنْ قِبْلَتِهِمُ
وهي بيت المقدس
الَّتِي كانُوا عَلَيْها
أي ثابتين مستمرين على التوجه إليها ومراعاتها واعتقاد حقيتها ، والقبلة هي الجهة التي يستقبلها الإنسان ، وإنما سميت قبلة لأن المصلي يقابلها وتقابله ، ولما قال السفهاء ذلك رد اللّه عليهم بقوله :
قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ
فله أن يأمر بالتوجه إلى أي جهة شاء لا يختص به مكان دون مكان لخاصة ذاتية تمنع إقامة غيره مقامه ، وإنما العبرة بارتسام أمره أي امتثاله لا بخصوص المكان ، وتخصيص هاتين الجهتين بالذكر لمزيد ظهورهما حيث كان أحدهما مطالع الأنوار والإصباح ، والآخر مغربها ، ولكثرة توجه الناس إليهما لتحقيق الأوقات لتحصيل المقاصد والمهمات ذكره الكرخي
يَهْدِي