مَنْ يَشاءُ
من عباده إشعار بأن تحويل القبلة إلى الكعبة من الهداية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولأهل ملّته
إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
يعني إلى جهة الكعبة وهي قبلة إبراهيم عليه السّلام .
وقد أخرج البخاري : مسلم وغيرهما عن البراء أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « كان أول ما نزل المدينة نزل على أخواله من الأنصار ، وأنه صلى إلى بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرا ، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت وأن أول صلاة صلاها العصر ، وصلى معه قوم فخرج رجل ممن كان صلى معه فمر على أهل المسجد وهم راكعون فقال أشهد باللّه لقد صليت مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قبل الكعبة فداروا قبل البيت كما هم ، وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل بيت المقدس وأهل الكتاب فلما ولّى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحول قبل البيت رجال وقتلوا فلم ندر ما نقول فيهم فأنزل اللّه
وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ
[ البقرة : 143 ] الآية » « 1 » وله طرق أخر وألفاظ متقاربة .
وعن ابن عباس قال إن أول ما نسخ في القرآن القبلة وعنه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان يصلي بمكة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه وبعد ما تحول إلى المدينة ستة عشر شهرا ثم صرفه اللّه إلى الكعبة ، وفي الباب أحاديث كثيرة بمضمون ما تقدم ، وكذلك وردت أحاديث في الوقت الذي نزل فيه استقبال القبلة وفي كيفية استدارة المصلين لما بلغهم ذلك ، وقد كانوا في الصلاة فلا نطول بذكرها ، فيه الرد على من أنكر النسخ ودلالة على جواز نسخ السنة بالقرآن لأن استقبال بيت المقدس كان ثابتا بالسنة الفعلية لا بالقرآن .
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 143 ]
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 143 )
وَكَذلِكَ
أي كما أن الكعبة وسط الأرض كذلك
جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً
أي عدولا خيارا ، والوسط الخيار والعدل ، والآية محتملة للأمرين ، وقد ثبت عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم تفسير الوسط هنا بالعدل « 2 » ، رواه أحمد والترمذي وصححه والنسائي وغيرهم عن أبي سعيد مرفوعا فوجب الرجوع إلى ذلك ، ولما كان الوسط مجانبا للغلو والتقصير
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الإيمان باب 20 ، وأحمد في المسند 4 / 282 .
( 2 ) لفظ الحديث : « والوسط العدل » ، أخرجه الترمذي في تفسير سورة 2 ، باب 9 ، وأحمد في المسند 3 / 32 ، وفي لفظ آخر : « جعلناكم أمة وسطا قال عدلا » ، أخرجه بهذا اللفظ الترمذي في تفسير سورة 2 ، باب 8 ، 9 ، وأحمد في المسند 3 / 9 .