تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
كان محمودا أي هذه الأمة لم تغل غلو النصارى في عيسى ، ولا قصروا تقصير اليهود في أنبيائهم ، ويقال فلان أوسط قومه وواسطتهم ووسطهم أي خيارهم ، والآية دلت على أن الإجماع حجة إذ لو كان فيما اتفقوا عليه باطل لا نثلمت به عدالتهم أي اختلت قاله الكرخي ، وفيه دلالة على تفضيل هذه الأمة على سائر الأمم .
لِتَكُونُوا
اللام لام كي فتفيد العلية أو هي لام الصيرورة
شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ
يعني يوم القيامة أي تشهدون للأنبياء على أممهم إنهم قد بلغوهم ما أمرهم اللّه بتبليغه إليهم ، وقالت طائفة معنى الآية يشهد بعضكم على بعض بعد الموت ، وقيل المراد لتكونوا شهداء على الناس في الدنيا فيما لا يصح إلا بشهادة العدول
وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
أي على أمته بأنهم قد فعلوا ما أمر بتبليغه إليهم ، ومثله قوله تعالى :
فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً
[ النساء : 41 ] وقيل عليكم بمعنى لكم أي يشهد لكم بالإيمان ، وقيل معناه يشهد عليكم بالتبلغ لكم ، قال في الكشاف : لما كان الشهيد كالرقيب والمهيمن على المشهود له جيء بكلمة الاستعلاء ومنه قوله تعالى :
وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
[ المجادلة : 6 ] و
كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ
[ المائدة : 117 ]
وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
[ المائدة : 117 ] ، انتهى . وإنما أخر لفظ ( على ) في شهادة الأمم على الناس وقدمها في شهادة الرسول عليهم لأن الغرض كما قال صاحب الكشاف في الأول إثبات شهادتهم على الأمم ، وفي الآخر اختصاصهم بكون الرسول شهيدا عليهم ، وقيل إن شهيدا أشبه بالفواصل والمقاطع من عليكم فكان قوله :
شَهِيداً
تمام الجملة ومقطعها دون عليكم ، وهذا الوجه يرد على الزمخشري مذهبه من أن تقديم المفعول يشعر بالاختصاص . وأخرج أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وغيرهم عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت فيقول نعم فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتانا من نذير ، وما أتانا من أحد ، فيقال لنوح من يشهد لك فيقول محمد وأمته ، فذلك قوله يعني هذه الآية فتشهدون له بالبلاغ وأشهد عليكم » « 1 » وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « أنا وأمتي يوم القيامة على كوم مشرفين على الخلائق ما من الناس أحد إلا ود أنه منا وما من نبي كذبه قومه إلا ونحن نشهد أنه بلغ رسالة ربه » وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس قال مروا بجنازة فأثنى عليها خيرا فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « وجبت » ثلاثا ، ومروا بجنازة فأثنى عليها شرا فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « وجبت » ثلاثا فسأله عمر فقال :
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 2 ، باب 13 ، والأنبياء باب 3 ، والترمذي في تفسير سورة 2 ، باب 9 ، وابن ماجة في الزهد باب 34 ، وأحمد في المسند 3 / 32 ، 4 / 13 ، 5 / 4 .