أراد بالمشرق مشرق الشتاء في أقصر يوم من السنة وبالمغرب مغرب الصيف في أطول يوم من السنة ، فمن جعل مغرب الصيف في هذا الوقت عن يمينه ومشرق الشتاء عن يساره كان مستقبلا للقبلة ، وهذا في حق أهل المشرق لأن المشرق الشتوي جنوبي متباعد عن خط الاستواء بمقدار الميل ، والمغرب الصيفي شمالي متباعد عن خط الاستواء ، والذي بينهما فقوسها مكة ، والفرض لمن بمكة في القبلة إصابة عين الكعبة ، ولمن بعد من مكة إصابة الجهة ويعرف ذلك بدلائل القبلة ، وليس هذا موضع ذكرها ، وهذا أحد الأصول الدالة على تجويز الاجتهاد ، وفيه إيجاب استقبال الكعبة في كل صلاة فرضا كانت أو نفلا في كل مكان حضرا أو سفرا ، وهو مخصوص بالآية المتقدمة في نافلة السفر على الراحلة وبالآية الآتية في حال المسايفة .
وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ
قال السدي : هم اليهود خاصة والكتاب التوراة وقال غيره : إخبار اليهود وعلماء النصارى لعموم اللفظ ، والكتاب التوراة والإنجيل
لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ
الضمير في
أَنَّهُ
راجع إلى ما يدل عليه الكلام من التحول إلى جهة الكعبة ، وعلم أهل الكتاب بذلك إما لكونه قد بلغهم عن أنبيائهم ، أو وجدوا في كتب اللّه المنزلة عليهم أن هذا النبي مستقبل الكعبة أو لأنهم قد علموا من كتبهم أو أنبيائهم أن النسخ سيكون في هذه الشريعة ، فيكون ذلك موجبا عليهم الدخول في الإسلام ومتابعة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقيل راجع إلى الشطر ، وقيل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ويكون على هذا التفاتا من خطابه بقوله :
فَلَنُوَلِّيَنَّكَ
إلى الغيبة ، والأول أولى
وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ
قال السدي : أنزل ذلك في اليهود والمعنى ما أنا بساه عما يفعل هؤلاء اليهود فأنا أجازيهم عليه في الدنيا والآخرة .
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 145 ]
وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ ( 145 )
وَلَئِنْ
لام قسم وإن شرطية
أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ
يعني اليهود والنصارى
بِكُلِّ آيَةٍ
أي بكل معجزة وبكل حجة وبرهان
ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ
أي الكعبة عنادا ، وفي هذه الآية مبالغة عظيمة وهي متضمنة للتسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وترويح خاطره بأن هؤلاء لا يؤثر فيهم كل آية ولا يرجعون إلى الحق وإن جاءهم بكل برهان فضلا عن برهان واحد ، وذلك لأنهم لم يتركوا اتباع الحق لدليل عندهم أو لشبهة طرأت عليهم حتى يوازنوا بين ما عندهم وما جاء به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ويقلعوا عن غوايتهم عند وضوح الحق ، بل كان تركهم للحق تمردا وعنادا مع علمهم بأنهم ليسوا على شيء ، ومن كان هكذا فهو لا ينتفع بالبرهان أبدا .