[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 134 إلى 135 ]
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ( 134 ) وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 135 )
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ
تلك إشارة إلى إبراهيم وبنيه ويعقوب وبنيه ، وما بعده بيان لحال تلك الأمة وحال المخاطبين بأن لكل من الفريقين كسبه لا ينفعه كسب غيره ولا يناله منه بشيء ، ولا يضره ذنب غيره ، وفيه الرد على من يتكل على عمل سلفه ويروح نفسه بالأماني الباطلة ، ومنه ما ورد في الحديث « من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبة » « 1 » والمراد أنكم لا تنتفعون بحسناتهم ولا تؤاخذون بسيئاتهم ، وفيه إبطال مذهب من يجيز تعذيب أولاد المشركين تبعا لآبائهم ، قال ابن فارس : وفيه إثبات الكسب للعبد
وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ
أي عن أعمالهم كما لا يسألون عن أعمالكم ، ومثله
أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى
[ النجم : 38 ، 39 ] .
وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا
وهذا فن آخر من فنون كفرهم وإضلالهم لغيرهم إثر بيان ضلالتهم في نفسهم ، قال ابن عباس : نزلت في رؤساء اليهود كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف ووهب بن يهودا ، وفي نصارى نجران السيد والعاقب وأصحابهما خاصموا المؤمنين في الدين فكل فريق منهم يزعم أنه أحق بدين اللّه
قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً
أي قل يا محمد في الرد عليهم هذه المقالة بل الهدى ملة إبراهيم ، والحنيف المائل عن الأديان الباطلة إلى دين الحق ، وهو في أصل اللغة الذي تميل قدماه كل واحدة إلى أختها أي تتبع ملة إبراهيم حال كونه حنيفا ، وقال قوم : الحنف الاستقامة فسمي دين إبراهيم حنيفا لاستقامته ، ويسمى معوج الرجلين أحنف تفاؤلا بالاستقامة كما قيل للديغ سليم ، وللمهلكة مفازة ، وقال مجاهد : حنيفا متبعا ، وقال ابن عباس : حاجا ، وعن خصيف قال : الحنيف المخلص ، وقال أبو قلابة : الحنيف الذي يؤمن بالرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم .
وأخرج أحمد « 2 » عن أبي أمامة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « بعثت بالحنيفية السمحة » وأخرج أحمد والبخاري في الأدب المفرد وابن المنذر عن ابن عباس قال :
قيل : يا رسول اللّه أي الأديان أحب إلى اللّه قال : « الحنيفية السمحة » « 3 » ونصب ملة على الإغراء ، قاله أبو عبيدة أي ألزموها
وَما كانَ
أي إبراهيم
مِنَ الْمُشْرِكِينَ
وفي نفي كونه من المشركين تعريض باليهود لقولهم عزير ابن اللّه وبالنصارى لقولهم
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود في العلم باب 1 ، وأحمد في المسند 2 / 252 ، 407 .
( 2 ) المسند 5 / 266 ، 6 / 116 ، 222 .
( 3 ) أخرجه البخاري في الإيمان باب 29 ، وأحمد في المسند 1 / 226 .