تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ
ضمير فيهم راجع إلى الأمة المسلمة المذكورة سابقا وقرأ أبيّ في آخرهم ، ويحتمل أن يكون الضمير راجعا إلى الذرية وهم العرب من ولد إسماعيل ، وقد أجاب اللّه لإبراهيم عليه السّلام هذه الدعوة فبعث في ذريته رسولا منهم وهو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقد أخبر عن نفسه أنه دعوة إبراهيم كما أخرجه أحمد « 1 » من حديث العرباض بن سارية وغيره ومراده هذه الدعوة ، وقد أجمع على ذلك المفسرون ، لأن إبراهيم إنما دعا لذريته وهو بمكة ولم يبعث من ذريته بمكة غير محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فدل على أن المراد به محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، والرسول هو المرسل ، قال ابن الأنباري : يشبه أن يكون أصله ناقة مرسال ومرسلة إذا كانت سهلة السير ماضية أمام النوق ، ويقال جاء القوم أرسالا أي بعضهم في إثر بعض .
يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ
وهو القرآن
وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ
أي معاني الكتاب من دلائل التوحيد والنبوة والأحكام الشرعية ، والكتاب هو القرآن
وَالْحِكْمَةَ
أي ويعلمهم الحكمة وهي الإصابة في القول والعمل ، ووضع كل شيء موضعه ، والمراد بالحكمة هنا المعرفة بالدين والفقه في التأويل والفهم للشريعة ، وقال قتادة : هي السنة وقيل هي الفصل بين الحق والباطل ، وقال ابن قتيبة : هي العلم والعمل ، ولا يكون الرجل حكيما حتى يجمعهما ، وقال ابن دريد : كل كلمة وعظتك أو دعتك إلى مكرمة أو نهتك عن قبيح فهي حكمة ، وقيل إن المراد بالآيات ظاهر الألفاظ ، والكتاب معانيها ، والحكمة الحكم وهو مراد اللّه بالخطاب وقيل غير ذلك
وَيُزَكِّيهِمْ
التزكية التطهير من الشرك وسائر المعاصي
إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
أي الذي لا يعجزه شيء قاله ابن كيسان ، وقال الكسائي : العزيز الغالب والحكيم العالم .
وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ
الاستفهام للإنكار ، قال الزجاج وابن جني : سفه بمعنى جهل أي جهل أمر نفسه فلم يفكر فيها أنها مخلوقة للّه فيجب عليه عبادته ، وقال أبو عبيدة : المعنى أهلك نفسه ، وقال الأخفش : أي فعل بها من السفه ما صار به سفيها ، وقال الزمخشري : امتهنها واستخف بها ، عن أبي العالية قال : رغبت اليهود والنصارى عن ملته واتخذوا اليهودية والنصرانية بدعة ليست من اللّه ، وتركوا ملة إبراهيم الإسلام ، وبذلك بعث اللّه نبيه محمدا الرسول الذي هو دعوة إبراهيم فقد رغب عن ملة إبراهيم ، فيه إشارة إلى لزوم اتباع ملته فيما لم يثبت نسخه .
هامش
( 1 ) المسند 4 / 127 ، 128 ، 5 / 262 .