وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا
تعليل للحصر قبله ، واللام جواب قسم محذوف ، والغرض منه الحجة والبيان لقوله :
وَمَنْ يَرْغَبُ
والاصطفاء الاختيار أي اخترناه في الدنيا بالرسالة والخلة كما شاهدوه ونقله جيل بعد جيل
وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ
أمر مغيب فاحتاج الإخبار به إلى فضل تأكيد قيل مع الأنبياء في الجنة أو الذين لهم الدرجات العلى ، فكيف يرغب عن ملته راغب .
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 131 إلى 132 ]
إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 131 ) وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( 132 )
إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ
يحتمل أن يكون متعلقا بقوله :
اصْطَفَيْناهُ
أي اخترناه وقت أمرنا له بالإسلام ، ويحتمل أن يتعلق بمحذوف هو اذكر ، قال في الكشاف كأنه قيل اذكر ذلك الوقت ليعلم أن المصطفى الصالح الذي لا يرغب عن ملة مثله ، وزاد أبو السعود وأنه ما نال ما نال إلا بالمبادرة للإذعان والانقياد لما أمره به واخلاص سره ، قال ابن عباس : قال اللّه له ذلك حين خرج من السرب ، وذلك عن استدلاله بالكوكب واطلاعه على أمارات الحدوث فيها وافتقارها إلى محدث مدبر ، ومعنى
أَسْلِمْ
انقد للّه وأخلص دينك وعبادتك له أو استقم أو فوض أمورك إلى اللّه أو اذعن واطلع أو أثبت على ما أنت عليه من الإسلام
قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ
أي فوضت أمري إليه ، قال ابن عباس : وقد حقق ذلك حيث لم يستعن بأحد من الملائكة حين ألقي في النار .
وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ
الضمير في « بها » راجع إلى الملة الحنيفية أو إلى الكلمة أي أسلمت لرب العالمين ، قال القرطبي : وهو أصوب لأنه أقرب مذكور أي قولوا أسلمنا انتهى ، والأول أرجح لأن المطلوب ممن بعده هو اتباع ملته لا مجرد التكلم بكلمة الإسلام ، فالتوصية بذلك أليق بإبراهيم وأولى بهم ، قيل كانوا ثمانية منهم إسماعيل وهو أول أولاده وقيل أربعة عشر
وَيَعْقُوبُ
معطوف على إبراهيم أي وأوصى يعقوب بنيه كما أوصى إبراهيم بنيه ، وكانوا اثني عشر ، وقرىء بنصب يعقوب فيكون داخلا فيما أوصاه إبراهيم ، قال القشيري : وهو بعيد ، لأن يعقوب لم يدرك جده إبراهيم وإنما ولد بعد موته .
يا بَنِيَّ
قيل إنه من مقول إبراهيم وقيل من مقول يعقوب .
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ
المراد بالدين ملته التي لا يرغب عنها إلا من سفه نفسه وهي الملة التي جاء بها محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وفي قوله :
فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
إيجاز بليغ ، والمراد إلزموا الإسلام ولا تفارقوه حتى تموتوا ، وهذا استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا تموتوا على حالة غير حالة