مكة يوم خلق السماوات والأرض وهي حرام إلى يوم القيامة » « 1 » أخرجه البخاري وأهل السنن من حديث أبي هريرة تعليقا ، وابن ماجة من حديث صفية بنت شيبة ، وفي الباب أحاديث غير ما ذكرنا .
ولا تعارض بين هذه الأحاديث فإن إبراهيم عليه السّلام لما بلغ الناس أن اللّه حرمها وأنها لم تزل حرما آمنا نسب إليه أنه حرمها أي أظهر للناس حكم اللّه فيها ، وإلى هذا الجمع ذهب ابن عطية وابن كثير ، وقال ابن جرير : أنها كانت حراما ولم يتعبد اللّه الخلق بذلك حتى سأله إبراهيم فحرمها وتعبدهم بذلك انتهى وكلا الجمعين حسن .
وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
إنما سأل إبراهيم ذلك لأن مكة لم يكن بها زرع ولا ثمرة فاستجاب اللّه له وجعل مكة حرما آمنا تجبى إليه ثمرات كل شيء ، عن محمد بن مسلم الطائفي قال : بلغني أنه لما دعا إبراهيم للحرم نقل اللّه الطائف من فلسطين
وَمَنْ
للتبعيض أن بعض الثمرات ، ولم يقل من الحبوب لما في تحصيله من الذل الحاصل بالحرث وغيره ، فاقتصاره على الثمرات لتشريفهم ، وقيل « من » للبيان وليس بشيء إذ لم يتقدم مبهم يبين بها ، والمراد بالأمن المذكور في قوله :
مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً
[ البقرة : 125 ] هو الأمن من الأعداء والخسف والمسخ والمراد هنا من الأمن هو الأمن من القحط ، ولهذا قال :
وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ
ذكره الكرخي .
والمعنى وارزق من آمن من أهله دون من كفر ، وسبب هذا التخصيص أن إبراهيم لما سأل ربه أن يجعل النبوة والإمامة في ذريته : فأجابه اللّه بقوله :
لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ
وصار ذلك تأديبا له في المسألة فلا جرم خص هنا بدعائه المؤمنين دون الكافرين ، ثم أعلمه أن الرزق في الدنيا يستوي فيه المؤمن والكافر بقوله :
قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ
أي سأرزق الكافر أيضا
قَلِيلًا
أي في الدنيا مدة حياته ، وعن محمد بن كعب القرظي قال : دعا إبراهيم للمؤمنين وترك الكفار ، ولم يدع لهم بشيء فقال تعالى :
وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ
الآية . وعن ابن عباس قال : كان إبراهيم احتجزها على المؤمنين دون الناس ، فأنزل اللّه ومن كفر فأنا أرزقهم أيضا كما أرزق المؤمنين ، أخلق خلقا لا أرزقهم ، ثم قرأ ابن عباس
كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ
[ الإسراء : 20 ] الآية ، فالظاهر أن هذا من كلام اللّه سبحانه ردا على إبراهيم حيث طلب الرزق للمؤمنين دون غيرهم ، ويحتمل أن يكون كلاما مستقلا بيانا لحال من كفر
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في العلم باب 37 ، والحج باب 43 ، والجزية باب 22 ، والمغازي باب 51 ، 53 ، والترمذي في الحج باب 1 ، والديات باب 13 ، وابن ماجة في المناسك باب 103 .