وقال غيره هي للتأنيث وليست للمبالغة وهو مصدر أو اسم مكان ، قولان .
وَأَمْناً
هو اسم مكان أي موضع أمن وهو أظهر من جعله اسم الفاعل على سبيل المجاز كقوله :
حَرَماً آمِناً
[ القصص : 57 ] فإن الآمن هو الساكن والملتجىء والأول لا مجاز فيه ، وقد استدل بذلك جماعة من أهل العلم على أنه لا يقام الحد على من لجأ إليه ، ويؤيد ذلك قوله تعالى :
وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً
[ آل عمران : 97 ] وقيل إن ذلك منسوخ ، وعن ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوم فتح مكة : « إن هذا البلد حرمه اللّه يوم خلق السماوات والأرض فهو حرام بحرمة اللّه إلى يوم القيامة وأنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة اللّه إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها ولا يختلى خلاه فقال العباس : يا رسول اللّه إلا الأذخر فإنه لقينهم وبيوتهم ، فقال : إلا الأذخر » « 1 » أخرجه البخاري ومسلم وكان الناس يأمنون فيه من أذى المشركين فإنهم كانوا لا يتعرضون لأهل مكة ويقولون هم أهل اللّه ، وقال ابن عباس في الآية معاذا وملجأ .
وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى
قرىء على أنه فعل ماض أي واتخذوه مصلى ، وقرىء على صيغة الأمر ، ويجوز أن يكون تقديره وقلنا اتخذوا والمقام في اللغة موضع القيام قال النحاس هو من قام يقوم يكون مصدرا واسما للموضع ، ومقام من أقام ، ومن للتبعيض وهذا هو الظاهر ، وقيل بمعنى في وقيل زائدة على قول الأخفش وليسا بشيء ، اختلف في تعيين المقام على أقوال أصحها أنه الحجر الذي يعرفه الناس ويصلون عنده ركعتي الطواف ، وقيل المقام الحرم كله روي ذلك عن عطاء ومجاهد وقيل عرفة والمزدلفة ، وقال الشعبي : الحرم كله مقام ، والمعنى اتخذوا مصلى كائنا عند مقام إبراهيم ، والعندية تصدق بجهاته الأربع والتخصيص بكون المصلى خلفه إنما استفيد من فعل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . والصحابة بعده .
أخرج البخاري وغيره من حديث أنس عن عمر بن الخطاب قال : « وافقت ربي في ثلاث ووافقني ربي في ثلاث قلت يا رسول اللّه لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى فنزلت هذه الآية وقلت : يا رسول اللّه إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر فلو أمرتهن أن يحتجبن فنزلت آية الحجاب واجتمع على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نساؤه في الغيرة فقلت لهن
عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ
[ التحريم : 5 ] فنزلت كذلك » « 2 » وأخرجه مسلم وغيره مختصرا من حديث ابن عمر عنه .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الصيد باب 10 ، والحج باب 43 ، والجزية باب 22 ، ومسلم في الحج حديث 445 ، 447 ، والنسائي في المناسك باب 110 ، وأحمد في المسند 1 / 259 ، 316 .
( 2 ) أخرجه البخاري في الصلاة باب 32 ، وتفسير سورة 2 ، باب 9 ، ومسلم في فضائل الصحابة حديث 24 ، والدارمي في المناسك باب 33 ، وأحمد في المسند 1 / 23 ، 24 ، 36 .